الخبر من مصدره لحظة حدوثه

انفلونزا الخنازير.. قاتل اليمنيين الذي تجاهله العالم

انفلونزا الخنازير.. قاتل اليمنيين الذي تجاهله العالم

تحقيق خاص/ عبدالقادر عثمان// وكالة الصحافة اليمنية//

 

بعد انهيار المنظومة الصحية في اليمن بشكل شبه كلي نتيجة الحرب التي تشنها دول التحالف منذ أربع سنوات، أصبحت البلاد عرضة لأي خطر وبائي يهدد حياة ملايين المواطنين في أي وقت، وشهدت جميع مناطقها اجتياحات متتالية لأشد الأوبئة فتكا في تاريخ البشرية والتي كان آخرها انفلونزا الخنازير.

 

مصنع أسمنت عمران

 

في منتصف ديسمبر/ كانون الأول المنصرم، لم يكن أحمد عسلان وقاسم حاتم، يدركا أن نزلة البرد التي أصابتهما وبعض الزملاء من موظفي الغرفة المركزية للتحكم في مصنع أسمنت عمران خطيرة إلى درجة أن يفقدا حياتهما بسببها.

 

وبعد أيام من ظهور حالات الإنفلونزا في المصنع وبعض مديريات عمران، استاءت حالة أحمد الصحية ومثله خمسة من العاملين، وهو ما دفع بطبيب المصنع إلى الاستعانة بفريق طبي متخصص لمعرفة السبب. كان الوباء قد بدأ في محافظة ذمار بأسبوع، فقرر الفريق الطبي التواصل بوزارة الصحة لإخراج فريق التقصي الوبائي لفحص الحالات المرضية، غير أن المرض تمكن من عسلان وحاتم فماتا قبل الفحص، حسب ما أكد رفيق عبدالقادر هزاع – طبيب المصنع – لـ “وكالة الصحافة اليمنية”.

 

وأضاف هزاع: “أن الحالات التي تم التأكد من إصابتها بالمرض في المصنع كانت 10 حالات منها حالتين وفاة، بينما بلغت حالات الاشتباه نحو 70 حالة لم يتم فحصها لضعف الإمكانيات الصحية”، مضيفا أن “عسلان وحاتم كانا يعملان في جو شديد البرودة، بدون تهوية، ويحصلان على الأكسجين من المكيفات المركزية داخل الغرفة وهو ما يجعلهما في خطر باستمرار”.

 

فحوص وزارية

غرفة طوارئ الإنفلونزا – مستشفى زال – صنعاء

في المستشفى السعودي الألماني، شمالي العاصمة صنعاء، توفيت مطلع يناير/ كانون الثاني الجاري حالتان نتيجة الانفلونزا، يقول الدكتور مطهر الدرويش – استشاري الأمراض الباطنية في المستشفى – إن الحالتين المتوفاة لم يتم فحصها في المستشفى، غير أنه أكد أن الأعراض تتطابق بما لا يدع مجالا للشك مع حالات انفلونزا الخنازير التي استقبلتها المستشفى في العام الماضي، وأضاف قائلا: “وزارة الصحة تكفلت بالفحوصات وأخبرتنا أن الحالات مصابة بفايروس (H1N1) أو ما يعرف بإنفلونزا الخنازير، وقد قامت الوزارة بنقلهم إلى مستشفيات حكومية، لكننا خلال يناير نجحنا في معالجة 30 حالة ولم يفارق الحياة منهم سوى حالتين”.

 

أما في مستشفى آزال بصنعاء، يرقد مصطفى الشماري بعد إصابته بالمرض منذ أسبوع، يقول لـ “وكالة الصحافة اليمنية”: “تحسنت حالتي قليلا بعد تلقي العلاج، لكنني معرض للإصابة به في أي وقت حسب ما قال لي الأطباء”، ويضيف: “كنت برفقة أحد أقاربي في عزبة (سكن شباب) عندما أصابه المرض ولكننا ظنناها انفلونزا عادية، وحينما اشتد به المرض أسعفناه لكنه فارق الحياة، وظلت العزبة موبوءة وعلى إثر ذلك أصبت أنا”.

 

إنذار مبكر

 

وفي تقرير صادر عن “برنامج الإنذار المبكر للأوبئة في وزارة الصحة” تقول الأرقام أن نحو 32 مواطنا في صنعاء وحدها فارقوا الحياة فيما أصيب 167 آخرين بإنفلونزا H1N1 خلال العام المنصرم.

 

وفي حديثه لـ “وكالة الصحافة اليمنية” يقول الدكتور علي المحاقري – مدير برنامج مكافحة الإنفلونزا إن “الفيروس مستوطن ويعمل انتشارات موسميه في فصل الشتاء من كل عام” مضيفا أن عدد الإصابات في الموسم الحالي بلغت منذ أكتوبر تشرين الثاني المنصرم وحتى اليوم نحو 154 حالة بينما توفيت نحو 49 حالة في مختلف المحافظات أكثرها في صنعاء يليها إب ومن ثم ذمار فعمران خاصة القرى من تلك المحافظات ذات الطقس البارد في فصل الشتاء”. مؤكدا أن هناك الكثير من حالات الاشتباه.

 

وكانت وزارة الصحة قد قالت في بيان سابق لها أن “نحو 70 حالة توفيت بسبب الإنفلونزا فيما أصيبت 430 حالة”، وهنا يشير الدكتور المحاقري إلى أن “كل الحالات المتوفية ليست نتيجة الفيروس بل هناك عوامل أخرى كالأمراض المزمنة والتي من بينها السكري أو أمراض القلب أو الكبد أو الأحشاء رئوي أو الالتهابات الصدرية المزمنة وأسباب كثيرة تتعلق أيضا بالمهنة كالعاملين بمصانع المواد الكيماوية أو الإسمنت أو المطهرات والمنظفات والمبيدات”.

بداية الوباء

 

وأكد المحاقري أن “الفيروس الذي تم التأكد من إصابة معظم الحالات به هو فيروس انفلونزا الخنازير”، الذي ظهر في اليمن أول مرة في العام 2009 عن طريق خروف مستورد من إحدى الدول في موسم الحج، وقال إن “أول انتشار للمرض كان في الخنازير وبعدها انتقل إلى الكثير من الحيوانات ومنها إلى الإنسان وأصبح النقل من إنسان إلى آخر بالرذاذ عبر الهواء والأيادي الملوث والمناديل”، مؤكدا أن “الازدحام في مجالس القات المغلقة والقاعات وأماكن الازدحام تلعب دوراً كبيرً في انتقال الفيروس من شخص لآخر”.

 

وأضاف أن هناك مشكلة كبيرة تساعد على سرعة انتشار الوباء في اليمن، وهي أن بعض الحالات لا تصل المرافق الصحية إلا في آخر مراحل الإصابة حينما يحتاج المصاب لعناية مركزة بعد إهماله لنفسه منذ بداية ظهور الأعراض، مشيرا إلى أن وزارة الصحة عملت بقدر الإمكانات المتاحة على توفير العلاجات مجاناً للحالات الخطر ووفرت الفحص المجاني لحالات الاشتباه وعملت على تدريب فرق في كل المديريات الاستجابة السريعة لكل البلاغات عن الحالات، كما عملت على توزيع وسائل التوعية اللازمة.

 

دعوات غير مسموعة

 

وقال لـ “وكالة الصحافة اليمنية”: “أصدرنا العديد من البيانات والدعوات لمنظمات المجتمع المدني العاملة في المجال الصحي لمساعدتنا في توفير الإمكانيات اللازمة في ظل شحتها لدينا نتيجة الحصار، غير أن المنظمات وعدتنا ولم تحدث منها أي استجابة حتى اللحظة”، وهو ما أكده طبيب مصنع أسمنت عمران الدكتور رفيق هزاع أيضا، والمتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة الدكتور يوسف الحاضري، الذي قال “أن منظمة الصحة العالمية وعدت بتوفير الأدوية اللازمة لمكافحة المرض، إلا أنها منذ ثلاثة أشهر لم تُقدم أي شيء، رغم أن مطار صنعاء الدولي مفتوح لجميع المنظمات الإنسانية”.

 

ويلاحظ عدم اهتمام منظمات الصحة العالمية والمجتمع المدني بأخطر مرض وبائي من خالا تجاهلها وجوده رغم إبلاغها من قبل الوزارة ومراكزها الصحية في المديريات منذ عدة أشهر، وهذا ما يثير تساؤل الكثير من المواطنين عن سبب هذا التجاهل لمرض أثار ضجة في العالم قبل عدة سنوات.

 

بنية تحتية مدمرة

 

ومنذ مارس/ آذار من العام 2015، تاريخ إعلان الحرب على اليمن، خلف التحالف بحربه هذه ضرراً كبيراً في البنى التحتية الصحية وأدت الصواريخ والقنابل المحرمة إلى انتشار عشرات الأمراض التي تجاوز عدد المصابين بها خمسة ملايين مصاباً حسب إحصائيات وزارة الصحة اليمنية، وتنوعت تلك الأمراض بين الكوليرا والدفتيريا وحمى الضنك والسرطان والفشل الكلوي والأمراض الجلدية والنفسية وحالات التشوه للمواليد، بينما بلغت حالات المجاعة نحو 8 ملايين مواطن وهو ما جعل من اليمن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

 

وأدى ضرب البنى التحتية الصحية والتنموية إلى انتشار الفقر وسوء التغذية اللذان ساهما في إضعاف المناعة لدى السكان وجعلاهم عرضة للإصابة بأي من الأمراض الانتهازية كما تسببا في حدوث اجتياحات وبائية كبيرة والتي يعد فيروس (H1N1) أكثرها خطورة.

 

خارج الخدمة

 

وبحسب الأمم المتحدة، فإن أكثر من نصف المرافق الصحّية في اليمن باتت خارج الخدمة بسبب تداعيات الحرب نتيجة القصف المباشر أو انعدام الأدوية نتيجة الحصار.

 

وفيروس (H1N1) أحد أمراض الجهاز التنفسي، حيث يصيب الخلايا في بطانة الأنف والحلق والرئتين، ثم ينتقل إلى بقية جسم الإنسان، حيث تظهر الأعراض بعد الإصابة بالفيروس في مدة تتراوح بين يوم وثلاثة أيام، وهو فيروس سريع الانتشار، وفي حال تفشيه بين المواطنين قد يتسبب بحدوث كارثة صحية كبيرة، لا سيما مع عدم وجود اللقاحات الخاصة بعلاجه في المرافق الصحية.

 

نصيحة طبية

 

ويقول الدكتور الدرويش أنه على المواطنين “تجنب التعرض للهواء البارد، ولبس الملابس الواقية من البرد، والالتزام بشرب السوائل الدافئة بكثرة كالشاي المضاف إليه الليمون والقهوة واليانسون والمرق والحليب الساخن”، فيما يشدد الدكتور المحاقري أنه في حالة الإصابة بالإنفلونزا فعلى المواطنين “أخذ قسط من الراحة وإذا تفاقمت حالاتهم الصحية فعليهم إبلاغ أقرب مركز طبي لأن ذلك يقلل من الخطورة عليهم”، وأضاف أن “تجنب التقبيل أثناء المصافحة والسلام وشرب السوائل وأكل البرتقال واستخدام العلاج سيساعد على تحسن حلالتهم”.

 

ومنذ أشهر تحاول وزارة الصحة جاهدة التقليل من خطورة تفشي المرض وتدفع بجميع إمكانياتها لمحاولة الحد من الكارثة، غير أن الأرقام تزداد من يوم إلى آخر، في ظل صمت المنظمات وتجاهل العالم وتساقط الغارات الجوية لطيران التحالف على جميع مناطق اليمن، والتي ساهمت بشكل كبير في انتشار الأوبئة، وهو ما يجعلنا نتساءل اليوم: “من المستفيد من كل ما يحصل لليمنيين اليوم؟!”.