المصدر الأول لاخبار اليمن

غوانتانامو مارب.. قتل بالسياط.. وتعذيب نفسي وجسدي وانتهاكات جنسية

// وكالة الصحافة اليمنية//


 غوانتانامو مارب

قتل بالسياط.. وتعذيب نفسي وجسدي وانتهاكات جنسية

مستشفى مارب العام وسجن معهد الصالح وحكاية الأجسام الميّتة

يتعرض الكثير من المدنيين المسافرين للاعتقال في مارب على أساس مناطقي وعنصري وسلالي

شهود: أحد الأسرى مات بالكوليرا، وآخر بركلة على عنقه، وثالث بالضرب المبرح

عين الإنسانية:
– 14 سجناً في مارب.. وسام ترصد 30 حالة وفاة من المدنيين خلال 2018م
– تخالف الانتهاكات بحق الأسرى اتفاقية جنيف الثالثة لحماية أسرى الحرب وضمان حقوقهم

مصدر بسلطات المرتزقة: حكومتنا لا تريد أن ينفضح أمرها بأنها تمارس التعذيب بحق المعتقلين والأسرى

في منطقة المصلوب، أصيب ماجد الوتاري (30 سنة) في رجله اليسرى، بشظية أدت إلى كسر عظمة الفخذ، في 21 مايو 2016م، بينما كان يقاتل ضمن صفوف الجيش واللجان الشعبية ضد التحالف الذي يشن حربا على اليمن منذ مارس 2015م.
حاول من أسماهم بـ «البدو» (مسلحون يتبعون حركة الإخوان المسلمين، يقاتلون في صف التحالف) قتله، ثم حدث شجار بينهم وقرروا أسره، يقول ماجد لـ «الثورة»: «أخذوني إلى منطقة الحزم في الجوف، ومن ثم إلى هيئة مستشفى مارب العام، وبقيت أتألم طوال الطريق دون أن يعطوني أي مهدئات»، ويضيف: «في مارب أخبرتني الطبيبة الهندية أني قد أصبت بفيروس الكبد، رغم أنني أجريت فحصاً قبل الذهاب إلى المصلوب ولم أكن مصاباً، لقد أعطوني دماً ملوثاً بالفيروس في مستشفى الحزم».

استمع معد التحقيق إلى شهادات أكثر من 20 أسيراً، أفرج عنهم بعمليات تبادل للأسرى بين المجلس السياسي الأعلى وسلطات مرتزقة النظام السعودي عبر وساطات محلية، وقال جميع المفرج عنهم: إنهم تعرضوا لصنوف شتى من التعذيب الجسدي والنفسي والتحرش الجنسي.

 

قتل مباشر

ـــــــــــــــــــــــ

شاهد ماجد مجموعة من المسلحين يقتلون أحد الجرحى من الأسرى في مستشفى مارب بالجنابي (خناجر يمنية تراثية)، وذلك في ال 23 مايو 2016م، حيث يقول لـ«الثورة»: في المستشفى تركونا دون ملابس، وظلت معاناتنا تتضاعف لمدة عشرة أيام، كانوا يغلقون علينا باب غرفة الرقود ويتركونا دون قضاء حاجاتنا لساعات، وأرغمونا على الشرب من دورة المياه».
في سجن «معهد الصالح»، الذي نقل إليه ماجد، بدأت التحقيقات رغم إصابته حيث قال: «طلبت منهم ألا يضربوني لأني جريح وسأجيب على كل أسئلتهم، أثناء إجابتي صفعني أحدهم على وجهي بقوة، ثم داس جلّاد اسمه «أبو قعشة» (اسم الشهرة) بقدمه على مكان الكسر في فخذي، ثم أمسك بي في قاعدة تثبيت المسامير ورفعني، صرخت حتى كدت أفقد وعيي، بعدها تقرحت الجراح في رجلي فأعادوني للمستشفى».

محاولة اعتداء جنسي

قضى ماجد في مستشفى مارب أربعة أشهر مع (12) آخرين في غرفة رقود واحدة. يفيد بأن شاوشاً في المستشفى يدعى «منير» مارس تعذيباً يومياً بحق الجرحى، مضيفاً: «شاهدته يدوس على فم أحدهم أكثر من مرة، ويحاول الاعتداء الجنسي على شاب جريح، لم يبلغ ال 18 من عمره، لولا تدخّل الممرضة الهندية»، ويضيف:»كان منير يضرب رجلي بقوة أو يرفعها إلى أعلى مستوى ويلقي بها حتى أصرخ من الألم، أو يمسكني بمكان الكسر ويسحبني، كرر هذه التصرفات بشكل شبه يومي».
في المستشفى، لا يسمح بدخول دورة المياه غير مرة واحدة كل 24 ساعة، كما أكّد من استمع معد التحقيق إلى شهاداتهم، وهم يرون أن معاناة المستشفى أقسى من معاناة السجن، حيث يقول أحدهم «تمنيت لو أني بقيت في السجن دون أخذي إليها».

أجسام ميّتة

ويضيف ماجد: إن المسلحين «جاؤوا بعدد من الجرحى، كانت الطلقات النارية موزعة على أجسادهم، بعد أيام كانت صالة الرقود في المستشفى تعج برائحة الأجسام الميتة»، ويردف: «أخبرتني الممرضة أن أعضاءً من أجسادهم ماتت وبحاجة إلى البتر».

وبعد إعادة ماجد إلى السجن بقي بملابسه التي أعطتها له الممرضة الهندية لمدة عام، وهي عبارة عن قطعة صوف مربعة صنع منها ما يغطي به عورته، حيث يقول «خلال ثلاث سنوات لم يغيروا لنا ملابسنا سوى مرتين، بينما لم يسمح لنا بغسلها إلا مرتين في العام، واستمر التعذيب»، يتذكر وهو يسحب أنفاسه ببطء «ذات يوم صعد أبو قعشة على ساقي فأغمي عليّ، إنه رجل عنيف جداً، يضرب في أي مكان في الجسم».

تعذيب المعتقلين

لا يقتصر التعذيب داخل سجون مارب على الأسرى، إذ أن «الكثير من المدنيين المسافرين يتم اعتقالهم في نقاط العبور في محافظة مارب على أساس مناطقي وعنصري وسلالي، ويتعرضون أيضا لأنواع التعذيب دون ذنب» كما قال عبد القادر المرتضى، رئيس لجنة الأسرى في «الوفد الوطني» للمفاوضات، الممثل للمجلس السياسي الأعلى.
مصطفى المطري (28 سنة)، اعتقل في نقطة «الفلج» بمارب في ال 7 أغسطس 2017م، وهو في طريقه إلى القاهرة لدراسة الماجستير، بعد تخرجه من جامعة الملكة أروى في صنعاء قبل بدء الحرب على اليمن، يقول ل «الثورة»: «ظللت أسبوعاً في المحكمة قبل التحقيق، ومن ثم بدأوا التحقيق معي واتهموني أنني حوثي ومؤتمري، بعد ذلك بقيت ثلاثة أشهر برفقة 85 معتقلاً في المحكمة، كثير من الذين في البدروم مصابون بحالات نفسية».

وفي المحكمة كانت دورة المياه تطفح في الشهر مرتين وتملأ البدروم وتظل لثلاثة أيام قبل إصلاحها، كما يضيف مصطفى، «نمنا أياما في مياه الصرف الصحي».

تعليق وكسر

ويقول مصطفى: «بعد نقلي إلى سجن الأمن السياسي بدأت التحقيقات مرة أخرى»، ويضيف: «قيّدوا ذراعيّ إلى الخلف برباط بلاستيكي، كما يفعلون مع جميع المعتقلين، ثم ربطوني فيهما ورفعوني، كدت أفقد وعيي من الألم لكنهم لم يكتفوا بذلك بل ضربني أحدهم بالعصا في كاحلي فكسره، صرخت بأعلى صوتي لكن أحداً منهم لم ينقذن»، وتظهر التقارير الطبية التي أجريت له في مستشفى السبعين بعد إخراجه في صفقة تبادل بالوساطة، انحرافاً في كاحله ناتجاً عن سوء التعامل الطبي مع مكان الكسر.
زنزانة ضيقة
ومن ضمن المعتقلين الذين تحدث معد التحقيق معهم، إبراهيم سلبة (35 سنة)، من صنعاء، وقد اعتقل في ال 3 أبريل 2017م، في «مجمع مارب» أثناء نزوله لمقابلة لجنة عسكرية من أجل تسجيل اسمه ضمن العسكريين المغادرين من جزيرة سقطرى بطلب من وزارة دفاع هادي، بناء على اتصال من بعض زملائه في مارب، حد قوله، إذ يضيف: «أخذوا بطائق جميع الواصلين ونقلونا إلى مبنى المحكمة».
بقي سلبة 11 يومًا، دون إجراء التحقيق معه حيث قال: «أثناء التحقيق معي وعدوني بإخراجي بعد ثلاثة أيام لكنهم أخرجوني إلى سجن معهد الصالح» واضاف: «استقبلونا في معهد الصالح بالضرب والتهديد والشتائم، كنا 15 معتقلا في زنزانة صغيرة، قضينا الحاجة معظم الأيام في أكياس حرارية، حتى المرضى بالإسهالات المائية (الكوليرا) كانوا يتبرزون مرة واحدة في دورة المياه والبقية في الأكياس شاهدنا أحدهم يموت دون تدخل طبيب السجن».

ساعات تعذيب متواصلة

أربعة أشهر هي الفترة التي قضاها إبراهيم في سجن الصالح، قبل أن ينقل إلى السجن السياسي، يتذكر تلك الفترة بمرارة، ويضيف «كان المساء وقتا للتعذيب، يطلبون منا أن نصف أيادينا في الجدران ومن ثم نصعد ونهبط حتى تتقرح أكفّنا»، يستمر التعذيب على هذا النحو ثلاث ساعات في بعض الأوقات، ويردف: أنهم ناموا لأشهر على البلاط، فيما كان لون البول الذي يخرج منهم شبيهاً بعصير التوت من شدة التعذيب والركل في البطن وعلى الكُلى.
تتعدد أنواع التعذيب المستخدمة ضد الأسرى والمعتقلين في سجون مارب، لكنها تمارس بشكل شبه يومي، وإلى جانب ذلك فالأسرى والمعتقلون يعيشون في وضع صحي ومعيشي غير مناسبين ما يجعلهم عرضة للأوبئة والأمراض الفتّاكة كالكوليرا وأمراض جلدية متنوعة كالجرب والصنافير، والكلى والغرغرينا، بحسب الدكتور أمير الدين جحّاف الذي اعتقل في نقطة الفلج بينما هو في طريقه إلى القاهرة لإكمال دراسته الجامعية(في المجال الطبي) التي بدأها في العام 2013م بمنحة من الحكومة اليمنية آنذاك.

موت في السجن

يقول أحد الناجين من سجون مارب: «شاهدنا سجيناً كان يعاني من حالة نفسية، وأصيب بالكوليرا، فلم يسعفه أحد حتى تجمّدت أعضاؤه، وبعد يومين قالوا إنهم أطلقوا سراحه لكن حين وصلنا صنعاء لم نجد له أثراً»، ويضيف آخر: «أحد الأسرى أصيب باحتكاك في عموده الفقري نتيجة التعذيب»، وتعرض الدكتور جحاف للضرب لأنه أعطى الحقنة لأحد السجناء المرضى، كما يقول ناجٍ آخر مضيفاً «دكتور السجن كان جلاداً هو الآخر ويضربنا بحجة أننا لم نتناول الدواء».
وبحسب شهادات الناجين فإن أحد الأسرى، وهو رجل مسن، أصيب بانحناء في ظهره وغرغرينا في قدمه المصابة، كما عذّب السجانون أسيراً يدعى «حسين» حتى فقد القدرة على الحركة، وتوفي بعد ساعات من وصوله المستشفى، أما الأسير أبو راشد، فقد عذّب حتى تفطّر جسده، فوضعه الجلادون في دورة مياه صغيرة داخل السجن، إلى أن تقرّحت جراحه وكانت رائحته تملأ الزنازين.

رصد وإحصائيات

في أكتوبر الماضي، أعلن المرتضى في صفحته على موقع التدوينات القصيرة (تويتر) مقتل ثلاثة أسرى في سجون مارب تحت التعذيب وهم: خالد القرشي ومحمد المحبشي وأحمد جهموس، مؤكداً أن «تكرار هذه الجرائم يدل على أنها تتم بتوجيهات من أعلى القيادات في دول العدوان ومرتزقتهم»،وحمّلهم كامل المسؤولية.

منظمة سام للحقوق والحريات (منظمة حقوقية مستقلة) رصدت خلال أربع سنوات من الحرب على اليمن، «أكثر من ثلاثة آلاف حالة تعذيب في السجون، منها(800) حالة فقط في عام 2018م، بعضها مورس بصورة فردية وأخرى بصورة جماعية، حيث أدى التعذيب إلى الموت» كما جاء في تقرير صادر عنها في يوليو المنصرم.

وبحسب التقرير فإن «عدد المدنيين الذين قتلوا تحت التعذيب خلال هذه الفترة بلغ (158) حالة منها (56) حالة عام 2018م، منها (30) حالة وفاة في سجون محسوبة على القوات الشرعية غير تعز التي قتل في سجونها (10) معتقلين، والمحافظات الجنوبية التي تسيطر عليها الإمارات»، ومن المحتمل أن تكون مناطق الشرعية غير المذكورة في تقرير سام هي مارب.

ودوّنت سام جملة من أساليب التعذيب التي تمارس بحق المعتقلين في تلك السجون ومنها:»الركل، والضرب بالهراوات والقضبان المعدنية، والحرق، والحرمان من الطعام والمياه، كما شملت أيضاً الإعدامات الوهمية، والتعليق لساعات طويلة، والتحرش الجنسي، واستخدام الكلاب البوليسية، والدفن في حفر رملية، واستخدام العقاقير المنبهة، والرش بالماء البارد، والحرمان من الزيارة، والمحاكمات الصورية».

ورصد مركز عين الإنسانية للحقوق والحريات (منظمة حقوقية مقرها صنعاء)،(14) سجناً في محافظة مارب يتعرض فيها الأسرى والمعتقلون لصنوف شتى من «التعذيب الجسدي والنفسي وسلب الأموال المرسلة لهم من الأهالي، والتعرض للإهانات والسخرية والحرق والكي والصعق الكهربائي ونزع الأظافر والتعرية، والإهمال الصحي والتغذوي والمنع من أداء الشعائر الدينية».

ملامح أخرى للعذاب

يقول إبراهيم سلبة: «كانوا ستة في غرفة التحقيق وأنا بمفردي معصوب العينين، ميّزت اختلاف أصواتهم، ظلوا يستفزونني أثناء التحقيق برمي بقايا القات على وجهي واثنان يسألاني واثنان من خلفي يحاولان إرباكي» ويضيف: سمعتهم ينادون أحد المحققين ب «أبو طه المتوكل».
من جانبه يقول الوتاري: «في سجن الصالح كانوا يحددون لنا دقيقتين فقط لقضاء الحاجة، لقد اعتدى «أبو فاروق» (محقق) على أحد الأسرى أثناء قضاء حاجته في دورة المياه نتيجة تأخره،وكرر هذا مع عدد من الأسرى. شاهدناه يركلهم من مؤخراتهم إلى الخارج عراة».

ويحكي المفرج عنهم لمعد التحقيق تفاصيل نقلهم بين السجون، حيث جرى نقلهم معصوبي العينين على ظهر عربات لنقل الجنود يحشر فيها ضعف العدد ومن ثم يوضع عليهم طربال (غطاء بلاستيكي مرن) يحجب عنهم الشمس ويدوس المسلحون على أعناقهم.

يقول أحدهم: «كانوا يخرجونا كل مساء ويخلعون ملابسنا ويضعونا للبعوض»، ويضيف: «مع ارتفاع سقف التعذيب اعتدى عليّ خمسة أشخاص بالركل على كليتي وصدري وحتى وجهي، ثم علّقونا من أرجلنا وتركوا رؤوسنا في الأرض، وكان على كل واحد أن يحمل صاحبه ويرمي به على رأسه؛ إن لم يسمع الجلّاد ارتطام رأسه في البلاط يجب إعادة المحاولة حتى تسمع».

واستمر التعذيب ببعض الأسرى والمعتقلين لثلاث سنوات، حتى مع انتهاء فترة التحقيقات ما دفع ببعضهم إلى محاولة الانتحار، كما أكد (11) أسيراً نجوا من سجون مارب، ممن تحدثوا إلى معد التحقيق. يقول أحدهم «حاول كثير من المعتقلين الانتحار في وقت متأخر من الليل، وذلك بمحاولة شنق أنفسهم بالملابس.
وأثناء التحقيق يشتد التعذيب لمحاولة انتزاع اعترافات من الأسرى والمعتقلين يتم بعدها إجبارهم على التبصيم على أوراق كثيرة لا يعلمون محتواها، يقول سلبة «ركلني جلّاد في خصيتي فسقطت أتألم وأصرخ بشدّة، في الوقت ذاته صاح المحقق غاضباً من فعل الجلّاد «قتلوهم يا أبو محمد، هذا ما يصلح!!».
ويضيف آخر: «ضربوا أحد زملائي بالحديد وطعنوا كل جزء في ظهره حتى سالت دمائه»، ويردف ثالث: «نزع المحقق ملابس أحد المعتقلين بينما هو صائم، عذبوه وأجبروه على الإفطار، وحاولوا اغتصابه من أجل الاعتراف بأنه يعمل لدى الحوثي رغم أنه من سكان مارب منذ أكثر من 14 سنة»، ويقول غيرهم «كنا نسمع صراخ بعض الزملاء أثناء التحقيقات، كانت أصواتهم موجعة وصراخهم لا ينتهي».

تعذيب جنسي وجسدي

تعرض بعض المعتقلين في مارب للتعذيب الجنسي بطريقة مختلفة، بحسب بعض الناجين، حيث يقول: «وضعوا عصا المكنسة في فتحة الشرج لأحد المعتقلين لينتزعوا منه اعترافاً»، من طرق التعذيب، أيضا يضيف ناج آخر:»ربط الخصيتين وتعليق خمسة لترات من الماء عليها، ومحاولة الاعتداء الجنسي على اثنين من المراهقين، وضربهما بعنف لأنهما صرخا بصوت عالٍ جراء تلك المحاولة».
نفّذ الجلّادون، الذين يتخذون أسماء شهرة للتمويه على أسمائهم الحقيقية، حفلات تعذيب متكررة بحق المعتقلين والأسرى، إذ «أقدموا على ضرب أحد السجناء بالعصا على رأسه حتى أغمي عليه، وبقي كل يوم يفقد اتزانه كلما نهض إلى دورة المياه، وكان (أبو قعشة) يأتي إلى السجن كل ثلاثة أيام، ذات يوم ضرب أحد الأسرى وهو يصلي، فيما جلد،(أبو ليث)،نزلاء معهد الصالح يوم عيد الأضحى، لأنهم طالبوا بتحسين الأكل ليوم العيد، كما أكد بعض الناجين، وأضافوا: «كان يأمرنا بإبراز مؤخراتنا للضرب عليها، نزع عنا ملابسنا، وجلدنا بأسلاك كهربائية، لمدة ست ساعات».

يقول الوتاري «أخرجنا أبو قعشة وأبو رعد ذات يوم إلى فناء السجن، ربطونا من أرجلنا ثم رفعونا إلى أعلى، فيما بقيت رؤوسنا بالقرب من الأرض، داس على رأسي ببيادته (جزمة عسكرية) حتى كسر أنفي وأمرني بلعق الدم المنسكب مني على الأرض، ثم أطفأوا جميعا السجائر في ظهري، وسملوا عين آخر».

حليف لا مكانة له

لا يقتصر التعذيب في سجون مارب على الأسرى والمعتقلين المسافرين بل للمؤيدين للتحالف نصيب من ذلك؛ لتمردهم أو لوشاية من عدوّ مقرّب من النافذين في المحافظة، كما أكد أحد الناجين (من محافظة إب وينتمي إلى حزب الإصلاح)، يقول إنه تعرض للاعتقال لمدة سنة ونصف تلقى خلالها أقسى أنواع التعذيب دون أن يكون قد اقترف أي ذنب، ليتم إخراجه بعد ذلك والاعتذار له لفظياً.

عن ذلك يقول سلبة «لقد انفجرنا في الزنزانة بكاء حينما شاهدناه والدم يغطي رأسه ووجهه وملابسه وهو من المحسوبين عليهم. ضربوه حتى فقدنا الأمل في تشافيه، ليس لأي سبب سوى أنه استفسر عن سبب احتجازه لأكثر من ثلاثة أشهر دون تحريك ملفه»، ويضيف: «ركلوا معتقلاً آخر مؤيدًا لهم في عنقه حتى قتلوه».

فيما يقول ماجد الوتاري: «كان أحد المعتقلين مبتور القدم اليسرى، وهو مقاتل في صفهم، في الجوف.. وقد سجنوه بتهمة سرقة طقم عسكري».

أثناء فترة إعداد التحقيق، وقعت في أيدينا وثيقة تتضمن شكوى قدّمها ورثة الملازم ضيف الله السوادي، إلى النائب العام التابع لسلطات المرتزقة في مارب، بتعرض والدهم «للتعذيب في المعتقلات السرية بمحافظة مارب، حتى تم إشعارنا بتاريخ 2 سبتمبر 2018م بأنه جثة هامدة في مستشفى الهيئة بمارب»، بحسب الوثيقة التي صدّرها النائب العام إلى نيابة الاستئناف في المحافظة في ال 21 من الشهر ذاته، فإن السوادي «تمت إحالته من قبل قيادة الشرطة العسكرية على الاستخبارات ومن ثم إخفائه قسراً».

أمراض نفسية

أدى التعذيب بكثير من الأسرى والمعتقلين إلى الإصابة بحالات نفسية، حيث يقول مصطفى المطري «كانوا يقيدون أشخاصاً إلى الخلف ويعتدون عليهم، منهم شاب خرّيج اقتصاد – سوريا، دخل في حالة نفسية عدائية، بينما جنّ فرض أبو طالب (مفرج عنه) من شدة التعذيب»، وفي سجن الأمن السياسي أكثر من 30 مريضاً بحالة نفسية، كما أفاد الناجون.

ولا يختلف الوضع المعيشي للأسرى والمعتقلين في سجون مارب عن الصحي والنفسي والجسدي، إذ يقول الناجون: إن نصيب كل معتقل لترين فقط من الماء في دورة المياه في اليوم الواحد، فيما نفس تلك الكمية مخصصة لزنزانة بكاملها للشراب.

يتحدث مصطفى بأسى: «صمنا أيامًا وليالي من الجوع، كانت الكدم (خبز مخصص للجنود) متعفنة»، ويضيف ماجد: «كانت قطعة الجبن المالحة الصغيرة تأتينا يومًا واحدًا في الأسبوع ولكل غرفة قطعة»، بينما يؤكد جحّاف قائلاً: «الأكل كان يحتوي على بعض الحشرات، رغم أننا لم نكن نحصل إلا على ماء البقوليات المطبوخة فقط وبقايا قشر البطاطا».

قانونياً

ووفقا لمعايير القوانين والاتفاقيات الدولية لحقوق الأسرى فإن ما يتعرض له الأسرى في مارب يخالف اتفاقية جنيف الثالثة (ال 12 أغسطس 1949م)، التي تنص المادة (13) منها على وجوب «معاملة أسرى الحرب معاملة إنسانية في جميع الأوقات، ويحظر أن تقترف الدولة الحاجزة أي فعل أو إهمال غير مشروع يسبب موت أسير في عهدتها، ويعتبر انتهاكاً جسيماً لهذه الاتفاقية. ويجب حماية أسرى الحرب في جميع الأوقات، وعلى الأخص ضد جميع أعمال العنف أو التهديد، وضد السباب وفضول الجماهير.وتحظر تدابير الاقتصاص منهم».

كما تخالف المواد (25، 26، 27، 28) من الفصل الثاني من الاتفاقية ذاتها في ما يخص المأكل والمشرب والملبس، وتخالف المادتين (29، 31) من الفصل الثالث من الاتفاقية في ما يتعلق بالشروط الطبية والرعاية الصحية، وكذا المادة (34) من الاتفاقية التي تنص على أن «لأسرى الحرب الحرية الكاملة في ممارسة شعائرهم الدينية، بما في ذلك حضور الاجتماعات الدينية الخاصة بعقيدتهم، شريطة أن يراعوا التدابير النظامية المعتادة التي حددتها السلطات الحربية»، علاوة على مخالفتها لكثير من مواد الاتفاقية التي صادقت عليها اليمن في ال 16 يوليو 1970م.

حقوق ووسيط

جمعنا المعلومات التي حصلنا عليها وتواصلنا بالعديد من المنظمات الدولية الإنسانية والحقوقية، منها الصليب الأحمر بصفته وسيطاً في عملية تبادل الأسرى والمعتقلين، ومنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، للإجابة على أسألتنا بشأن الانتهاكات التي يمارسها تنظيم الإخوان المسلمين الذي يدير مارب تحت مظلة الحكومة التابعة لهادي والمدعومة من قوات التحالف.

على رغم مرور ما يقرب من الشهر إلا أنه لم يأتنا رد من العفو الدولية أو رايتس ووتش، لكننا استطعنا الوصول إلى المتحدثة الإقليمية للجنة الدولية للصليب الأحمر، سارة الزوقري، التي بدورها أخبرتنا أن «طبيعة عمل الصليب الأحمر لا تسمح له بالإدلاء بأي تصريحات صحفية حول ما يشاهده في السجون، وإن كان ثمة انتهاكات فإنه يناقش ذلك مع السلطات المباشرة بشكل سري».

ويقول عدد من الأسرى: إنهم لم يلحظوا أي وجود لمنظمة ما خلال سجن ثلاث سنوات، بما في ذلك الصليب الأحمر، وعن ذلك تقول الزوقري لـ«الثورة»: «هناك تحديات كبيرة تمنع وصولنا إلى عدة سجون في اليمن، منها أننا لا نستطيع زيارة الأماكن ما لم تكن هناك ضمانات مسبقة من قبل السلطات التي يقع المكان في نطاق سيطرتها، وعدم تعاون طرف أو آخر معنا في منحنا هذه الضمانات، ووجود أماكن لا نعرفها، وتعدد الأطراف واختلافها مع بعضها، تعرقل وصولنا إلى المكان المفروض، لكنا زرنا بعضها»، وتضيف: «نعمل بكل جهد من أجل التخفيف من معاناتهم وتواصلهم بأهاليهم والاطمئنان على صحتهم والسعي لتحسين وضعهم الصحي والمعيشي».

من جانبه يقول المرتضى: «نحن قمنا بتسهيل المهمة للصليب الأحمر وهو على اطلاع تام بكافة السجون التي يتواجد بها الأسرى في مناطق المجلس السياسي الأعلى، بينما لم يتمكن الصليب أو أي منظمة أخرى من الوصول إلى السجون في مارب».

وفي السياق ذاته، يقول مجلس حقوق الإنسان في تقريره الأخير الصادر في ال 29 سبتمبر 2019م: إن «فريق الخبراء التابع له تلقى بلاغات متعددة حول حالات الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري الحاصل في مناطق يمنية، بما في ذلك معتقلا كتائب أبو العباس في تعز، وأماكن احتجاز تابعة للإصلاح (لم يسمّها)، وتضم شخصيات سياسية واجتماعية ونشطاء، لكن التحقيقات في هذا لم تكتمل في الوقت المناسب لإدراجها».

وفي الوقت الذي ننتظر فيه رد العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش على أسئلتنا، وقعت في أيدينا معلومات من مسؤول في وزارة الداخلية التابعة لسلطة المرتزقة في مارب عن وضع السجون وعدم السماح للمنظمات الدولية بزيارتها، يقول الذي فضّل إخفاء هويته – لدواع أمنية -: «الداخلية أبلغت مندوبي المنظمات الدولية قبل أشهر، أن زيارة مارب محفوفة بالمخاطر تحت مبرر انتشار القاعدة في الطريق إلى المحافظة، وإذا كانت المنظمات ترغب بالحصول على معلومات عن حال الأسرى فإن الحصول على ذلك يتطلب لقاء مسؤولي الحكومة فقط»، مضيفاً: «في الحقيقة، سلطات مرتزقة العدوان في السعودية لا تريد أن ينفضح أمرها لأنها تمارس التعذيب بحق المعتقلين والأسرى على طريقة غوانتانامو».

المواجهة

بيدنا الآن أدلة كافية على وجود تعذيب جسدي ونفسي وجنسي للأسرى والمعتقلين في سجون ومعتقلات مارب التي «يسيطر عليها تنظيم الإخوان المسلمين تحت مظلة الشرعية وبدعم من السعودية» كما يتهمها المرتضى.

معد التحقيق أكد قائلاً: قررنا مواجهة المسؤولين في وزارة الداخلية لإتاحة الفرصة لهم للرد على ما بأيدينا من أدلة، بادرنا إلى التواصل بهم على الأرقام الرسمية للوزارة، فقيل إن»المسؤولين في الخارج»، بعثنا رسائل على البريد الإلكتروني وواتساب وسجنال وإيمو، أعدنا الإرسال عدة مرات لأكثر من شهر، غير أن أحداً من المسؤولين لم يرد علينا».

في اتفاق ستوكهولم الذي جمع الوفد الوطني بوفد الرياض في ديسمبر 2018م، جرى الاتفاق على إجراء تبادل للأسرى بين الطرفين لكن شيئا من ذلك لم يحدث على الواقع، يقول المرتضى إن «عرقلة الطرف الآخر لملف الأسرى هو تهرب منه حتى لا ينفضح أمره بوجود تعذيب للأسرى وحالات وفاة جراء ذلك».

تحقيق عبد القادر عثمان #صحيفة الثورة