المصدر الأول لاخبار اليمن

شباب خودان يحولون حلم إصلاح الطريق إلى حقيقة

بعزيمة الجبال أعادوا رسم الجغرافيا..

شباب خودان يحولون حلم إصلاح الطريق إلى مشروع حقيقي

 

محمد غبسي//وكالة الصحافة اليمنية//

في ظل ما تعانيه البلاد من ويلات كارثية بسبب الحرب والحصار الذي فرضته دول التحالف منذ خمس سنوات، يخوض الشعب اليمني معارك مصيرية، سواء في جبهات العزة والكرامة للذود عن الأرض والعرض، أو في شتى مجالات الحياة بحثاً عن لقمة العيش في دروب الإنتاج والعمل.. هذه الظروف وغيرها من تراكمات السنين السابقة أجبرت الكثير من اليمنيين على ابتكار وإيجاد حلول لمعظم المشاكل الاجتماعية وغيرها.

في مديرية يريم- منطقة خودان تحديداً- تعيش آلاف الأسر منذ فجر التاريخ، ورغم وصول شبكات الطرق خلال العقود الماضية إلا أنها لا زالت خارج نطاق الشبكة الوطنية من الطرقات والتي هي أهم الخدمات التي يحتاجها أي تجمع سكاني، لتأتي عبرها بقية الخدمات من مستشفيات ومدارس ومراكز تعليمية وصحية وترفيهية.

خلال العامين الماضيين شهدت المنطقة عدة حوادث راح ضحيتها العشرات نتيجة لوعورة الطريق الذي بات يسمى “طريق الموت”، كان آخرها الشاب محمد صادق نشوان.. الأنباء والصور التي ظل يتلقاها الشاب المغترب سفيان السالمي أوجعت قلبه فبادر بطرح فكرة لجمع التبرعات وتعاون أبناء المنطقة والبدء الفوري بإصلاح الطريق وعدم انتظار الجهات الحكومية التي ماطلت منذ عقود في شق أو تعبيد أو سفلتة طريقهم الذي بدأه آباؤهم في سبعينيات القرن الماضي بأيديهم.

مبادرة سفيان السالمي حظيت بقبول وارتياح، وسرعان ما تجاوب معها المئات من أبناء منطقة خودان الذين لم يبخلوا بالدعم المالي، وأبدوا جاهزية واستعدادا لإنقاذ الأرواح بإصلاح ما يمكن إصلاحه بجهودهم وأموالهم وإمكانياتهم المتوفرة، ولم تمر أيام حتى بدأ التنفيذ بعد أن اجتمع المعلمون والمهندسون والعمال من أبناء المنطقة لتحقيق حلم واحد، وهو إصلاح الطريق الذي بسببه هاجرت الكثير من الأسر إلى المدن وفقد عشرات المسافرين أرواحهم.

من منشور إلى فكرة إلى طريق

الدكتور حمود أحمد الصبري اندهش لما يحدث في المنطقة التي يعمل فيها فقال: “لمثل هذا فليعمل العاملون وليتنافس ذوو الهمم وعشاق المجد.. مبادرة يتيمة قررها بعض أبناء خودان بدون أي إمكانيات سوى ثقتهم بأهلهم وإيمانهم بصدق نواياهم وخدمة مجتمعهم، في ظل تجاهل الحكومات السابقة واللاحقة لهم وانشغالها عنهم.

ويضيف الصبري بقوله: “الفكرة بدأت كما أظن بمنشور وانتهت بمعاول ومحاجن وغرارات وانفجارات من نوع آخر تذلل الطبيعة وتمنح الناس نوعا من الأمان والحماية والأمل أيضا، وبزنود رجال لا تعرف اليأس ولا تستسلم للصعاب، وجباه لا تعرف الانحناء ولا العبودية إلا لله والأرض، أمهم التي وهبتهم الحياة”.

تحول الطريق المعتم والشاق كما كانوا يسمونه “طريق الموت” إلى طريق آخر للحياة، إلى مسار لحجيج من نوع مختلف من أصحاب الهمم العالية والآمال التي تلامس السماء ولا تعترف بالصعاب.

خطوة أساسية

المهندس عبدالحافظ القحطاني، أحد أبناء المنطقة، اعتبر المبادرة الشبابية لإصلاح طريق خودان خطوة أساسية وهامة في سبيل إصلاح الطريق ورفع المعاناة عن الكثير من أهالي خودان الذين ذاقوا الأمرين خلال عدة عقود مضت من وعورة الطريق ومخاطرها، مؤكدا على أهمية وضرورة دعم هذه المبادرة/ المشروع  بكل الإمكانيات وكل حسب قدرته واستطاعته، لافتاً إلى أن هذه ليست سوى البداية، فبالتعاون والتكاتف والاهتمام من الجميع ستستمر وتكبر إلى أن يكتمل المشروع ويصل خيره إلى كل قرية في عزلة خودان.

المنطقة محرومة من أبسط الخدمات

يؤكد الدكتور فرحان هاشم، من أبناء المنطقة، بأنه ومنذ عقود لم تشهد تلك العزلة أي مشاريع تنموية باستثناء عدد من المدارس، فلا يوجد بها مستشفى واحد أو مركز صحي ولا طريق حديث، على الرغم من وجود الآلاف من أبنائها في صفوف الجيش والمؤسسة العسكرية والأمنية، وتضحية أبنائها وكوادرها في كافة قطاعات الدولة وربوع الوطن على مدى تاريخ طويل.

وأشار هاشم إلى الطريق التي شقها الآباء منذ عقود على حسابهم الخاص وبمعاول بسيطة، ومع وعورة الطبيعة ونتيجة الأمطار والسيول تنجرف تلك الطريق القديمة ونشاهد الحوادث التي أودت بحياة العشرات بل المئات من أبناء العزلة والمناطق المجاورة.

وأشاد بالمبادرة التي أطلقها سفيان السالمي لإصلاح الطريق عبر التبرع الشخصي والعمل الطوعي من أبناء المنطقة والتي قوبلت بتفاعل غير مسبوق.

ويستطرد بقوله: “لقد راقبت كل خطوات الشباب وشعرت بالفخر والانتماء إلى تلك المنطقة وإلى همة الشباب والشيوخ والنساء، ولكن لم أستغرب فهم أحفاد اليمني الذي نحت من الجبال بيوتا في الأحقاف وشيد ناطحات السحاب في تريم حضرموت وبنى في أرض يحصب ودولة سبأ حضارة ستبقى إلى الأزل”.

تحية لصناع الملحمة

الشيخ يحيى نشوان من أعيان المنطقة لم يسعه وهو يشاهد الشباب والشيوخ قد اجتمعوا لصناعة ملحمتهم الخاصة وشق طريقهم إلى المستقبل إلا أن يعلق بقوله: “نعالكم ومعاولكم يا أبناء خودان أعز وأشرف من رموز الحكومات السابقة وكل الذين تسببوا بحرمان خودان من حقها في الحصول على طريق واسفلت كأبسط حق من حقوق المواطنة، برغم تضحية خودان العظيمة ونضال كل أبنائها”.

يجب دعم مثل هذه المبادرات

عميد المعهد المهني في يريم  وليد مروان أكد بأنه ومن رحم المعاناة دوما يولد الأمل، ولمثل هذا فليعمل الجميع، بدأت فكرة وتبلورت إلى واقع عملي وتسابق الجميع إلى إثبات الوجود، هاهم اليوم أبناء خودان الشموخ يتحدون لإنجاح هذا المشروع الذي طال انتظارهم له، رغم الظروف رغم البعد رغم الحصار رغم العدوان رغم الحرب لقد دشنوا مشروعهم بقوة وتعاون وتكاتف وصمود وتحدٍّ لكل المعوقات، مذكراً بأنه من الواجب على الجهات ذات العلاقة سواء الحكومية أو المانحة والداعمة أن تدعم مثل هذا المشروع كونه يخدم شريحة كبيرة من أبناء الوطن.

بدوره أشار الشيخ نصر الموسمي إلى أن المبادرة تستحق الثناء والتقدير، متمنياً أن يستمر التفاعل والتعاون من الجميع معها، مؤكداً بأنها ستصبح أنموذجاً يقتدى به على مستوى المنطقة واليمن بشكل عام.

العزيمة والإرادة

كما عبر بشير نشوان عن امتنانه بقوله: “قُبلات حبٍ ننثرها على رؤوس ثُلةٍ من شباب خودان الأبرار المبادرين لإصلاح الطريق، وفي مقدمتهم الأخ سفيان السالمي والأخ فايز نشوان اللذان كان لهما قصب السبق في هذه المبادرة الرائعة والتي بدأت كمشروع فكرة وحُلم ثم ما لبثت أن تبلورت لتتحول اليوم إلى واقع ملموس”.

ولفت إلى أن المبادرة الشبابية أثبتت أنه وبعزيمة وإرادة الرجال وبالإمكانيات المتاحة نستطيع أن نقدم الكثير والكثير لخدمة منطقتنا وأمتنا، مهما تكن المعوقات والصعوبات، إذا خلُصت النوايا وعملنا بروح الفريق الواحد متجاوزين كل الخلافات والاختلافات التي تكون حجرة عثرة أمام الإنجاز.

التاريخ يخلد من يصنعه

مسعد السالمي “أديب وقاص من أبناء المنطقة” لمس النشاط والجد والتعاون فلخص تقديره بالقول: “أرفع القبعات إجلالا وتقديرا لهذا الحماس لهذا الحب لهذا التفاعل لهذه الروح المبهجة الذي جسده الشباب والذي يعكس أصالة وشموخ ونبل وأخلاق من ينتمي لهذه الأرض”.

وأكد بأن هذا هو الانتصار الحقيقي للذات وللحياة بمجملها، ومثل هذه المبادرات ستخلد عبر التاريخ لأنها أعادت إحياء القيم والإخاء والمحبة والتعاون والولاء طول ما بقيت هذه الأرض تسبح في فلك الله على هذا الكون.

لم يتقصر التفاعل على أبناء المنطقة فقط، بل سارع الكثير من فاعلي الخير ومحبي خدمة الناس على تقديم العون.. كما عبر الكثير من نشطاء التواصل الاجتماعي عن إعجابهم بالمبادرة، وقد أثمر التفاعل بتواصل القائمين على المشروع مع الصندوق الاجتماعي للتنمية الذي وعدهم بإدراج مشروعهم ضمن التمويل القادم في شهر ابريل الحالي، ليبدأ بعدها بإجراء الدراسات اللازمة وإنزال المناقصات، غير أن الشباب قرروا الاستمرار في ما بدأوه وعدم الانتظار للوعود التي أبقت طريقهم كما هي منذ ستين عاماً تقريباً.

يذكر أن هناك مناطق بدأ بتنفيذ مباردات مشابهة في بعض مناطق محافظة ريمة، كما قام أبناء منطقة شرعب في محافظة تعز بتعبيد ورص بعض الطرقات الخاصة بهم دون بجهود ومبادرات ذاتية، الأمر الذي يعبر عن عزة وكرامة المواطن اليمني ورغبته في الحياة وقدرته على تحدي الصعاب وقهر الظروف أيا كانت.