المصدر الأول لاخبار اليمن

13 يناير .. أبشع مجزرة في شبه الجزيرة العربية

تقرير/خاص/وكالة الصحافة اليمنية//

35 عاما تحل على اليمنيين ذكرى المجزرة الدامية التي شهدتها مدينة عدن في 13 يناير عام 1986م، والتي حصدت أرواح أكثر من 13 ألف من أبناء المحافظات الجنوبية، في مجزرة أقل ما يقال عنها بانها أبشع مجزرة شهدتها الجزيرة العربية آنذاك.

مدينة عدن شهدت في ذلك اليوم الأسود، حرب شوارع وصراعاً دموياً وتصفيات بالهوية، سقط فيها أكثر من 13 ألف ضحية بينهم قيادات عديدة من الصف الأول في الحزب الأشتراكي اليمني، وعلى رأسها عبدالفتاح اسماعيل الذي لا زالت ظروف مصيره غامضة، حيث تم اتهام الرئيس اليمني الجنوبي السابق علي سالم البيض بتصفيته، ومنهم من يرجح أنه خرج حياً من صالة الاجتماعات التي شهدت المجزرة واختفت أخباره بعدها.

صراع قبلي بثوب شيوعي

 

محللون سياسيون يرون أن أحداث يناير كان لها بعدٌ قبليٌ في ثوب ماركسي، بعد أن اتخذ الصراع أبعاداً قبلية ومناطقية بحتة، بالنظر إلى الانتماء القبلي والمناطقي للمجموعتين المتصارعتين، فأنصار علي ناصر محمد كلهم من أبين وشبوة، وشخصيات من مناطق أخرى أطلق عليهم لقب “الزمرة”، أما خصوم الرئيس علي ناصر، والمتمحورون حول علي عنتر، نائب الرئيس آنذاك، فمعظمهم ينتمون إلى محافظة لحج أطلق عليهم لقب “الطغمة”.

المحللون أشاروا إلى أن هذا التحول الخطير أجج رغبات الثأر والانتقام من الآخر المخالف، وإن في نطاق الحزب نفسه، وعندما غدت هذه الأفكار ممنهجة تعاظمت الرغبات المشبوهة، لتستهدف الواقع وتجعل رفاق الدرب يوجهون فوهات البنادق إلى صدور بعضهم البعض.

ضحايا يرون الفاجعة

 

 

بنبرات حزينة ودموع من مقالات أم مكلومة قالت أم الطفل الضحية “على فضل علي”، في تصريحات خاصة لـ”وكالة الصحافة اليمنية”، في ظهيرة يوم العشرين من يناير، وبعد أن هدأت أزيز الرصاص ودوي القذائف، نزلت من الشقة التي نسكن فيها في منطقة المعلا لجلب الماء لأسرتي اصطحبت معي ولدي “علي” الذي لم يتجاوز 11 ربيعأ، اصطحبته طفلي خوفاً على حياة زوجي من أن يتم القبض عليه وقتله لكوننا بدو من محافظة شبوة.

وأضافت أم علي، وأثناء ما كنا نقوم بتعبئة الماء مع العديد من نساء وأطفال الحي، عاودت الاشتباكات بين المتصارعين وانهمرت القذائف صوبنا وسقطت العديد منها حيث قتل وأصيب الكثير من النساء والأطفال بينهم فلذة كبدي “علي”.

توقفت أم علي للحظات تسترجع فيها أنفاسها المكبودة حزناً، لن أنسى صوت أستغاثة ولدي “علي” وهو يستنجد بي لمساعدته وهو مضرجاً بالدماء، كانت لحظات لا تنسى ولن تمحوها السنين من ذاكرتي.

وأضافت أم علي، بعد سنوات طويلة تصالح وتسامح المتصارعون في أحداث 13 يناير، وذهبت دماء وأرواح ولدي “علي” الذي لم يكن أحد الرفاق بالحزب أو مقاتلاً مع أي طرف ومثله أكثر من 13 ألف ضحية أدراج الرياح.

شهادات رسمية وتقارير دولية

وقال الرئيس اليمني الجنوبي الأسبق “علي ناصر محمد” في رواية سابقه قدمها للصحافيين عن أحداث يناير بالقول: “اتجهت من منزلي، الذي يقع على تلة لا تبعد سوى عشرات الأمتار من مبنى اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني، قبيل الساعة العاشرة من يوم الثالث عشر من يناير، حيث كان ذاهباً إلى الاجتماع بصحبة ابنه جمال وحرسه الخاص، الذي كان يرافقه في الأيام العادية.

وأضاف ناصر ” عندما اقتربت سيارتي من مدخل مبنى اللجنة المركزية وترجلت منها انطلقت صيحات من عدد من المرافقين والحرس، الذين كانوا يتجمعون على المدخل، تطالبني بالرجوع وتحذرني من أنهم يريدون قتلي. وما كادت هذه الصيحات تصل مسامعي حتى انهمرت زخات كثيفة من رصاص الرشاشات باتجاهي، فقتل ابني جمال على الفور وكان يقف بجانبي”.

وأشار ناصر، إلى أن عدد الضحايا من أفراد الشعب الأبرياء ومن الطرفين المتصارعين بلغ ما يزيد على 16 ألف قتيل، بالإضافة إلى عدد كبير من الجرحى والمعتقلين، الذين تمت تصفية غالبيتهم جسدياً بعد التعذيب، وقتلوا سراً في السجون بدون محاكمة، فيما تم تشريد ما يزيد على 54 ألف مواطن خلال المعارك، وتمت عملية القتل للمعتقلين في السجون على أساس الهوية الشخصية التي يحملها المواطن، والتي تثبت انتماءه القبلي والعشائري للمعسكر المعارض أو إلى الفئة الأخرى المخاصمة.

وكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي إيه) وجهت في 4 فبراير 1980 مذكرة مؤلفة من ثلاث صفحات من جهة ما إلى أخرى داخل وكالة الاستخبارات المركزية تحت عنوان “جذور المعارضة للرئيس عبد الفتاح إسماعيل”. وتم تكريس السطور العشرة الأولى للموضوع الوارد في العنوان، فيما خصص كاتب المذكرات ما تبقى لسرد تاريخي مختصر لأحداث 12 سنة سابقة.

السطور الأولى من المذكرة جاء فيها أن الحكومة الماركسية في جنوب اليمن، رغم عدم شعبيتها في الداخل، الا أنها قد أحكمت قبضتها على الأوضاع في ذلك البلد، عن طريق أجهزة أمنية فعالة وقاسية لحفظ النظام الداخلي في البلاد.

المذكرة أشارت إلى أن غالبية العناصر المعارضة للنظام القائم، إما أنها قد فرت إلى المنفى، وإما أعدمت أو سجنت، ومع ذلك طبقًا للمذكرة يوجد قنوات اتصال بين عناصر في الدائرة الداخلية للنظام ورفاقهم المنفيين إلى الشمال ومصر والسعودية، وغيرها.

في تقرير آخر تتحدث الاستخبارات المركزية عن عهد الرئيس الأسبق “علي ناصر محمد” وما تخلله من صراعات كانت مقدمة للمذبحة الكبرى عام 1986، وجاء في الوثيقة أن (علي ناصر محمد) دخل في صراع مع منافسيه، تمثل في نقلهم إلى مواقع قد تبدو كبيرة؛ لكنها في الحقيقة عديمة المعنى. فمثلا نقل علي عنتر من موقعه كوزير للدفاع ليصبح وزيراً للحكم المحلي، وبعد ذلك عينه نائباً له، وهو منصب سياسي هام. وأعطت المناصب الرسمية الرفيعة الفرصة لعنتر للقاء الوفود الأجنبية وترؤس بعض اللقاءات الهامة على مستوى الدولة، عندما يكون الحسني غائباً، لكن من دون إعطائه صوتاً في قرارات مجلس الوزراء.

التقرير اشار إلى أن علي ناصر محمد قام بنقل المسؤولين الأقل خطورة والمتعاطفين مع المسؤولين المنقولين، ووضعهم مكان قيادتهم السابقة ليخفف من ردود الفعل الغاضبة. فعلى سبيل المثال، قام الحسني بتعيين علي سالم البيض، أحد الداعمين غير الأكفاء لعنتر، وزيراً للحكم المحلي خلفاً لعنتر. وكان من المكن لتصرف كهذا أن يتسبب في مشكلات، فبعد إزاحة عنتر من موقعه، قام الحسني (علي ناصر محمد ) بتعيين صالح مصلح قاسم وزيراً للدفاع، ليتحد بعدها عنتر وقاسم في مواجهة الحسني.

التقرير اورد أن موسكو غير راغبة في الوقوع في فخ الصراعات السياسية اليمنية، ويعتقد محللو «سي آي إيه» أن موسكو لا تريد أن تخاطر بوضعها في البلاد بالانحياز لفصيل معين.

أول تقرير عن 13 يناير كتبه غراهام فولر نائب رئيس مجلس الاستخبارات الوطنية وكان موجهًا إلى مدير الوكالة ونائب مدير الوكالة، وجاء تحت عنوان: «محاولة انقلاب مؤيدة للسوفيات في جنوب اليمن».

تفاصيل التقرير أشارت إلى أن مجموعة من كبار مناصري الاتحاد السوفياتي في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية استولوا مع أنصارهم على السلطة، وأقر التقرير بأن المعلومات شحيحة عن طبيعة ما جرى، ولكن ترجح الوكالة أن الانقلاب يقوده عبد الفتاح إسماعيل، وهو من أكثر المتحمسين اليساريين للاتحاد السوفياتي، وأنه تم عزله من السلطة عام 1977، ونفيه إلى الاتحاد السوفياتي قبل خمس سنوات. وهنا المعلومة غير دقيقة في التقرير؛ إذ إن السنة التي نفي فيها عبد الفتاح إسماعيل إلى موسكو هي 1980، وليس 1977.

التقرير الأميركي ربط بين عودة عبد الفتاح إسماعيل من موسكو قبل الانقلاب بفترة وجيزة ثم حدوث الانقلاب ليبرهن أن موسكو تقف وراء الانقلاب، وأن منفذيه يعملون لصالحها، في حين اتضح لاحقاً أن ما حدث لم يكن انقلاباً وإنما مجزرة حقيقية استهدفت أربعة من كبار قادة الحزب والدولة، وهم علي عنتر، وعبد الفتاح إسماعيل، وعلي سالم البيض، وعلى شايع هادي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.