صفقات التطبيع الجديد: تحت الاقدام خطوط انابيب الغاز، وفوق الرؤوس قنابل الإبادة!
القاهرة | وكالة الصحافة اليمنية
الصفقة الضخمة الموقعة مؤخرا بين مصر كطرف مستهلك والكيان الصهيوني منتج، والمتضمنة بناء خط أنابيب غاز جديد بتكلفة 400 مليون دولار، واستيراد كميات هائلة من الغاز حتى عام 2040، تكشف عن تناقض صارخ بين الموقف السياسي المعلن والواقع الاقتصادي المتسارع. فبينما يشتعل الصراع في المنطقة بأكثر أشكاله وحشية، ويستمر الكيان الصهيوني في عدوانه وجرائمه، تسارع بعض الدول، وعلى رأسها مصر، إلى تعزيز شراكتها التجارية مع الكيان.
الصفقة فيما وراء الأرقام
تظهر الأرقام الأساسية للصفقة أن تكلفة الخط الجديد تقدر بحوالي 400 مليون دولار، تتحملها مصر بالكامل مقابل الحصول على كميات من الغاز، وهي الصفقة التي يصنفها خبراء الاقتصاد الأضخم في تاريخ البلدين، بإجمالي 4.6 تريليون قدم مكعب (130 مليار متر مكعب) من الغاز، مع تمديد التوريد حتى عام 2040. الكمية الأولية منها تقدر ب 706 مليارات قدم مكعب (20 مليار متر مكعب) فور دخول الاتفاق حيز التنفيذ. فيما تقدر الكمية الإضافية في المرحلة الثانية بحوالي 3.9 تريليون قدم مكعب (110 مليارات متر مكعب).
الدافع الاقتصادي المصري يكمن فيما تعانيه مصر من فجوة كبيرة بين إنتاجها واستهلاكها المحلي من الغاز، لاسيما وقد وصل حجم الاستهلاك في عام 2024 إلى 60 مليار متر مكعب، بينما الإنتاج لم يتجاوز 47.5 مليار متر مكعب. هذا العجز دفع القاهرة للبحث عن مصادر خارجية لتأمين احتياجاتها الداخلية، خاصة لتشغيل محطات الكهرباء ومحطات تسييل الغاز.
تناقضات الواقع وآثارها الاستراتيجية
وبالتالي، فإن الخنوع الذي تقدمه دول المنطقة عبر مثل هذه الصفقات لا يقتصر على مسألة بناء علاقات تجارية وكفى، بقدر ما يحمل في طياته أبعادا استراتيجية خطيرة.
ففي ورقة الضغط السياسي، نجد أن الاعتماد المتزايد لمصر على الغاز الإسرائيلي يمنح “تل أبيب” ورقة ضغط مباشرة على القرار السياسي المصري.
كلما زادت حاجة القاهرة لإمدادات الطاقة، تضاءل هامش مناورتها في القضايا الإقليمية الحساسة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. بل قظ تتحول هذه الشراكة الاقتصادية إلى أداة ابتزاز سياسي، خصوصا في أوقات التوتر، مما يضعف الموقف المصري في أي مواجهة سياسية أو دبلوماسية قادمة. فضلا على ما يحتمل أن تفرضه تلك المناورة من التبعية الاقتصادية وخطر فقدان الاستقلالية، خصوصا وان مصر هي من يتحمل تكلفة بناء خط الأنابيب بالكامل، مما يمثل عبئًا ماليًا كبيرًا في ظل أزمتها الاقتصادية.
هذا الاستثمار في بنية تحتية لخدمة واردات الغاز الإسرائيلي يقلل من الحوافز للاستثمار في زيادة الإنتاج المحلي أو تنويع مصادر الطاقة، مما يجعل مصر تابعة لا شريكة في معادلة الطاقة الإقليمية. على المدى الطويل، هذا النهج يقلص من استقلالية القرار الطاقي المصري ويجعل أمنها الطاقي رهينًا لأي اضطراب في المنطقة أو حتى توقف متعمد من الجانب الإسرائيلي.
أما على مستوى تآكل مبدأ المقاطعة وتطبيع التطرف، ففي ظل جرائم الإبادة والتجويع التي يرتكبها العدو الاسرائيلي في غزة، واستفزازاته المستمرة في الضفة الغربية وتدنيس المسجد الأقصى، تأتي هذه الصفقات لتقدم للعدو غطاءً اقتصاديًا واستراتيجيًا. فبينما يتم الحديث عن المقاطعة كأحد أهم أسلحة المواجهة، نجد مسارعة لإبرام صفقات بمئات الملايين من الدولارات. هذا التناقض يبعث رسالة خاطئة، مفادها أن الكيان يمكنه ارتكاب أبشع الجرائم وفي نفس الوقت يستمر في جني المكاسب الاقتصادية من دول المنطقة.
هذا الوضع لا يضعف موقف الدول العربية فحسب، بل يمنح العدو شعورا بالإفلات من العقاب ويشجعه على المضي قدما في مخططاته، فيما يسعى إلى تحقيقه من تحويل أوهام بني صهيون في “إسرائيل الكبرى” إلى شيء من الواقع الذي يفرض على الأمة مواجهته بكل ما تملك من قوة، لا أن تسارع إلى تقديم كل أشكال الدعم.
تداعيات مستقبلية
لاسيما وأن هذا الخنوع لن يقتصر تأثيراته فيما يحمل في طياته من تبعات على مصر وحدها، بل يهدد مستقبل المنطقة بأسرها. عندما ترى “إسرائيل” أن جرائمها لا تُقابل بمقاطعة فعلية، بل على العكس تجد نفسها تنعم بزيادة في التعاون الاقتصادي، فإن ها يمنحها مبررا للاستمرار في عدوانها وسياساتها العدوانية. هذا الواقع يضعف أوراق الضغط العربية ويقوي موقف العدو، مما يجعل أي سعي على مسار حلحلة القضية الفلسطينية أكثر صعوبة في المستقبل.
وهنا، يأتي من الواجب التنويه بإن الالتزام بفهم حقيقة الصراع مع العدو يتطلب أفعالًا تتجاوز الأقوال. فالمقاطعة لا تكون بمجرد رفع الشعارات، وإنما هي سلاح اقتصادي واستراتيجي قادر على إحداث فرق حقيقي يكون من شأنه إعادة تصحيح مسار المواجهة مع عدو لم يعد افتراضيا وإنما كيان اجرامي يمارس اجرامه جهارا نهارا، بل ويعرف ماذا يريد؟ وإلى أين يريد أن يصل؟ وكيف؟ لأن المقاطعة سلاح، والسلاح يفقد قيمته لاسيما عندما يتم التخلي عنه لصالح مكاسب قصيرة الأجل تُبنى على أسس هشة.