تشهد الضفة الغربية في الآونة الأخيرة تصعيداً أمنياً ملحوظاً في ظل تواصل العمليات العسكرية التي ينفذها الكيان الإسرائيلي في عدد من المدن والمخيمات الفلسطينية، وسط تقارير عن اعتقالات وإصابات وتوتر متزايد يهدد بتحول المنطقة إلى بؤرة انفجار جديدة في الشرق الأوسط. ويأتي هذا التصعيد في سياق إقليمي معقد تتقاطع فيه الأزمات السياسية والعسكرية، ما يثير مخاوف من اتساع رقعة المواجهة وتدهور الأوضاع الإنسانية والأمنية.
عمليات عسكرية واعتقالات في مدن عدة
وأفادت مصادر محلية فلسطينية بأن قوات الكيان الإسرائيلي نفذت، فجر السبت، سلسلة اقتحامات متزامنة استهدفت عدداً من مدن الضفة الغربية، أبرزها نابلس وبيت لحم وأريحا والقدس الشرقية وطوباس، إضافة إلى مناطق غرب رام الله والخليل. وذكرت المصادر أن القوات اقتحمت مدينة نابلس عبر حاجز حوارة، وانتشرت في أزقة البلدة القديمة، حيث داهمت منازل واعتقلت عدداً من الشبان الفلسطينيين بعد عمليات تفتيش واسعة.
وفي بيت لحم، اقتحمت القوات محيط مخيم الدهيشة، ما أدى إلى اندلاع مواجهات بين الشبان الفلسطينيين والقوات المقتحمة، استخدم خلالها الغاز المسيل للدموع بكثافة. كما أفادت التقارير بوقوع اقتحامات مماثلة في مدينتي أريحا والعيسوية في القدس الشرقية، حيث نفذت القوات عمليات مداهمة وتفتيش، بينما شهدت مدينة طوباس اقتحاماً برياً رافقته عمليات دهم لمنازل المواطنين.
وفي السياق ذاته، اقتحمت قوات الكيان الإسرائيلي مخيم بلاطة شرق نابلس، وبلدتي دير إبزيع غرب رام الله وترقوميا غرب الخليل، في إطار ما وصفته مصادر محلية بحملة مداهمات متزامنة تستهدف عدداً من المناطق في الضفة الغربية.
إصابات في هجمات سابقة وتصاعد التوتر
يأتي هذا التصعيد بعد يوم واحد من إصابة 54 فلسطينياً في بلدة تلفيت جنوب نابلس، إثر هجوم نفذته قوات الكيان الإسرائيلي إلى جانب مستوطنين. ووفقاً للمصادر الفلسطينية، اندلعت مواجهات خلال الهجوم، استخدمت فيها الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع، ما أدى إلى وقوع عدد كبير من الإصابات بين الفلسطينيين، إضافة إلى أضرار مادية في الممتلكات.
وتشير تقارير محلية إلى أن الهجمات التي ينفذها المستوطنون ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية أصبحت أكثر تكراراً في الأشهر الأخيرة، في ظل اتهامات فلسطينية للسلطات الإسرائيلية بتوفير الحماية للمستوطنين أو التغاضي عن أعمال العنف التي ينفذونها.
موقف حماس وردود الفعل الفلسطينية
في أعقاب هذه التطورات، أصدرت حركة حماس بياناً دانت فيه ما وصفته بـ”الهجمات الوحشية” التي ينفذها المستوطنون وقوات الكيان الإسرائيلي في الضفة الغربية، معتبرة أن ما يحدث يمثل “تصعيداً خطيراً واستمراراً لسياسة ممنهجة تستهدف الشعب الفلسطيني”.
وأشارت الحركة إلى أن الاعتداءات التي طالت بلدة تلفيت ومناطق أخرى، بما في ذلك إطلاق النار وتدمير الممتلكات وبث الرعب بين السكان، تعكس ما وصفته بسياسة منظمة تديرها الحكومة الإسرائيلية. كما اتهمت الحركة حكومة بنيامين نتنياهو باتباع سياسات تهدف إلى “التطهير العرقي”، داعية المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات لوقف ما وصفته بالانتهاكات.
ودعت حماس أيضاً الفلسطينيين في الضفة الغربية إلى الوحدة وتعزيز أشكال “المقاومة”، مؤكدة على حق الشعب الفلسطيني في إنهاء الاحتلال وإقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس.
تحذيرات دولية من انفجار محتمل
في سياق متصل، حذرت مجلة “فورين بوليسي” في تحليل للباحثة شيـرا إيفرون، المتخصصة في الشأن الإسرائيلي بمؤسسة راند، من أن الضفة الغربية قد تتحول إلى جبهة انفجار جديدة في الشرق الأوسط. وأشارت الدراسة إلى أن التوترات المتزايدة في المنطقة تتزامن مع أزمات أخرى، مثل التوتر مع إيران، واستمرار الحرب في غزة، وتعاظم دور حزب الله في لبنان، إضافة إلى التطورات الداخلية في سوريا.
ووفق التحليل، فإن الضفة الغربية لم تحظ بالاهتمام الدولي الكافي مقارنة ببقية بؤر التوتر في المنطقة، رغم تزايد عوامل عدم الاستقرار السياسي والأمني فيها. وأكدت الدراسة أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى اندلاع موجة جديدة من العنف، ما لم تُتخذ خطوات لاحتواء التوتر.
سياق أوسع منذ حرب غزة
تشير المعطيات إلى أن وتيرة العمليات العسكرية للكيان الإسرائيلي في الضفة الغربية تصاعدت بشكل ملحوظ منذ اندلاع الحرب في غزة في 7 أكتوبر 2023. فقد ازدادت نقاط التفتيش العسكرية، وجرى تعزيز الوجود العسكري في عدد من المدن والمخيمات، فيما تكثفت العمليات الأمنية، خاصة في مخيمات اللاجئين.
كما تسارعت وتيرة التوسع الاستيطاني، مع تقارير عن شرعنة بؤر استيطانية جديدة، وهو ما أثار انتقادات دولية وتحذيرات من تقويض فرص التسوية السياسية. وتشير مصادر فلسطينية ودولية إلى أن عنف المستوطنين أصبح شبه يومي في بعض المناطق، ما يزيد من حالة الاحتقان ويغذي دائرة العنف.
تداعيات إنسانية وأمنية
يؤثر التصعيد العسكري بشكل مباشر على الحياة اليومية للفلسطينيين في الضفة الغربية، حيث تعيق الحواجز العسكرية الحركة والتنقل، وتؤثر عمليات المداهمة والاعتقال على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. كما تتزايد المخاوف من تدهور الأوضاع الإنسانية في ظل استمرار المواجهات، خاصة في المناطق التي تشهد اقتحامات متكررة.
وتحذر منظمات حقوقية من أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى مزيد من الضحايا، ويزيد من حدة التوتر بين الفلسطينيين وقوات الكيان الإسرائيلي، ما يهدد بإشعال مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.
مستقبل غامض ومخاوف من اتساع المواجهة
في ظل هذه المعطيات، تبدو الضفة الغربية أمام مرحلة حساسة قد تحدد مسار الأحداث في الفترة المقبلة. فبينما تواصل قوات الكيان الإسرائيلي عملياتها العسكرية، وتستمر الاعتداءات في عدد من المناطق، تتزايد الدعوات الدولية لخفض التصعيد ومنع تدهور الأوضاع.
ويرى مراقبون أن استمرار التوتر دون أفق سياسي واضح قد يدفع نحو مزيد من العنف، خاصة في ظل التداخل بين الأزمات الإقليمية والتوترات المحلية. كما أن غياب تسوية سياسية شاملة يزيد من احتمالات التصعيد، في وقت تتزايد فيه الضغوط الإنسانية والأمنية على الأرض.
في المحصلة، تبقى الضفة الغربية في دائرة التوتر المتصاعد، وسط تحذيرات من انفجار محتمل قد يضيف جبهة جديدة إلى صراعات المنطقة، ويزيد من تعقيد المشهد السياسي والأمني في الشرق الأوسط.
المصدر : الوقت التحليلي