خلف بريق “جنيف”: هل تنجح صواريخ إيران في لجم طموحات ترامب لـ “تغيير النظام”؟
صنعاء | وكالة الصحافة اليمنية
تشهد المنطقة حالياً أضخم تعزيزات عسكرية أمريكية منذ غزو العراق عام 2003ـ وفقاً للتقارير الاستخباراتية والميدانية، تتواجد حاملتا طائرات عملاقتان في المنطقة (يو إس إس أبراهام لينكولن ويو إس إس جيرالد فورد) مع مجموعاتهما القتالية، مما يمنح واشنطن قدرة على تنفيذ عمليات تستمر لأسابيع وليس مجرد ضربة خاطفة.
وبجانب التحشيد البحري ضد إيران تم نشر اسراب من مقاتلات الجيل الخامس (F-22 و F-35) في قواعد متقدمة، بما في ذلك قاعدة “عوفدا” في “إسرائيل”، مع تعزيز سلاح الجو بمنظومات تزويد بالوقود لضمان الوصول إلى العمق الإيراني.
بدورها إيران، صعدت لهجتها ضد التهديدات الأمريكية، وجرت واشنطن إلى مفاوضات، اعتبرت فيها أن المساس بتخصيب اليورانيوم خط أحمر، إضافة إلى ترسانتها الصاروخية التي يرغب الاحتلال الإسرائيلي في تفكيكها أو الحد من مداها وقدراتها.
يمكن القول أن إيران انتقلت إلى “العقيدة الهجومية”، مع تحصين منشآتها النووية (مثل نطنز وأصفهان) داخل خنادق وأنفاق أعمق، وإعادة بناء قواعد الصواريخ التي تضررت في “حرب الـ 12 يوماً” (يونيو 2025).
رغم التهديدات المتكررة من إدارة ترامب والاحتلال الإسرائيلي، هناك “كوابح” استراتيجية حالت دون قصف طهران أو محاولة تغيير النظام بالقوة العسكرية المباشرة.
تخشى واشنطن من الاستنزاف العسكري لقواتها، حيث تدرك واشنطن أن إيران لم تبنِ جيشها لينتصر في معركة خاطفة، بل ليدير حرب استنزاف طويلة ومكلفة، وأي ضربة لطهران قد تشعل الجبهات في لبنان، العراق، اليمن، في وقت واحد، مما يهدد القواعد الأمريكية في المنطقة.
ومن ناحية أخرى، فإن أي هجوم مباشر سيؤدي إلى إغلاق مضيق هرمز، مما سيقفز بأسعار النفط العالمية إلى مستويات كارثية تضرب الاقتصاد العالمي، وهو أمر يخشاه ترامب بشدة في ولايته الحالية.
لذلك، تراهن أمريكا على الانهيار الداخلي في إيران تحت وطأة العقوبات، دون الحاجة لتحمل كلفة الحرب المباشرة، مع نهج سياسة الضغط الأقصى المصحوبة بدعم الاحتجاجات الشعبية (التي بدأت أواخر 2025 ومستمرة في 2026). .
كان صيف 2025 مفصلياً، حيث نفذ الاحتلال بدعم أمريكي ضربات استهدفت المنشآت النووية ومواقع إيرانية؛ لكن الطرفين تراجعا عن “الحرب الشاملة” بسبب الرد الصاروخي الإيراني، الذي أثبت قدرته على اختراق الدفاعات المتطورة وإصابة منشآت حيوية مثل مصفاة حيفا.
ومع اتجاه واشنطن وطهران إلى طريق المفاوضات التي بدأت في مسقط، وتواصلت في جنيف؛ إلا أن المسار الدبلوماسي يفتقد حتى الآن إلى تقديم تنازلات من الطرفين، وفشل المفاوضات، سيفضي إلى الخيار العسكري.
المتحدثة باسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب كارولاين ليفيت، قالت اليوم الثلاثاء في تصريحات للصحفيين داخل البيت الأبيض ، رداً على سؤال حول إيران، إن الخيار الأول لترامب هو دائماً الدبلوماسية لكنه على استعداد لاستخدام القوة الفتاكة إذا لزم الأمر.
يأتي هذا التصريح، قبل انعقاد جولة ثالثة من المفاوضات بين طهران وواشنطن،، مقررة في مدينة جنيف السويسرية، الخميس، وسط تسارع للأحداث التي تجمع بين الضغط العسكري والتحذيرات المتبادلة، والتحركات الدبلوماسية.
وينظر إلى هذه الجولة بوصفها “محطة حاسمة” قد تحدد مسار المرحلة المقبلة، بينما يكافح المفاوضون الأميركيون والإيرانيون لكسر حالة الجمود بشأن خطوطهم الحمراء المتبادلة.
ونقلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن مصادر مطلعة قولها، إن الجانبين سينظران في مقترح يتيح مخرجاً من الحرب بما يتيح “السماح لإيران ببرنامج تخصيب نووي محدود لأغراض مدنية”.
خيار الحرب المكلف تناوله موقع “أكسيوس” وصحيفتا “واشنطن بوست” و”وول ستريت جورنال”، الذين أكدوا أن رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الجنرال دان كين، حذّر ترامب من أن شن حملة عسكرية ضد إيران قد ينطوي على مخاطر جسيمة، في مقدمتها احتمال التورط في “صراع طويل الأمد”.
وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث، قال إن جميع الخيارات مطروحة بشأن التعامل مع إيران على خلفية برنامجها النووي، وإن “على إدارة طهران التوصل إلى اتفاق مع واشنطن”.
واعتبر هيغسيث أن إيران “بحاجة إلى التوصل لاتفاق” بشأن برنامجها النووي، وأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يفضل ذلك أيضاً.
إيران أبدت استعدادها للتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة خلال المفاوضات غير المباشرة بين البلدين، حيث قال مجيد تخت روانجي، نائب وزير الخارجية الإيراني، اليوم الثلاثاء، إن طهران مستعدة لاتخاذ أي إجراءات لازمة للتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة.
وكان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، قد أكد في كلمة بثها التلفزيون الرسمي الإيراني، السبت الماضي، أن بلاده لن “تحني رأسها” أمام الضغوط الدولية أثناء المحادثات النووية مع واشنطن.
وفي أحدث موقف إيراني بشأن المفاوضات النووية قال بزشكيان إن “القوى العالمية تحاول إجبارنا على الانحناء، لكننا لن نحني رؤوسنا رغم كل الصعوبات والمشكلات التي يفرضونها علينا”.
وشدد بزشكيان على أن إيران عازمة على تقديم التضحيات حتى آخر نفس، داعيا إلى التماسك الوطني والوحدة الداخلية لمواجهة أي تهديدات خارجية، في أعقاب احتجاجات هزت طهران منتصف الشهر الماضي.
حدد الرئيس ترامب مهلة تنتهي في أواخر فبراير (أوائل مارس) للتوصل إلى “اتفاق شامل” يفكك البرنامج النووي والصاروخي، مهدداً بـ “أمور سيئة جداً” في حال الفشل.
فيما ردت طهران باستراتيجية “المواجهة الشاملة، حيث أكدت إيران عبر خارجيتها أن أي اعتداء، مهما كان حجمه، سيُعتبر “إعلاناً للحرب الشاملة”، ولن يتم التعامل معه كحدث عابر.
أما التهديد الإيراني الأهم فقد جاء عبر المرشد خامنئي بـ “إغراق الحاملات”، حيث حذر من أن “السلاح الذي يمكنه إرسال حاملات الطائرات إلى قاع البحر” أكثر خطورة من الحاملات نفسها، في إشارة إلى جيل جديد من الصواريخ والمسيرات الانتحارية.
كما أكدت طهران أن أي حرب ستمتد فوراً لتشمل القواعد الأمريكية في المنطقة والدول الحليفة لها، ولن تبقى محصورة داخل الحدود الإيرانية.
تستعد المنطقة لطي صفحة فبراير، لكنها تفتح الباب على المجهول؛ فالمشهد في جنيف ليس مجرد طاولة مفاوضات، بل هو “مبارزة إرادات” تجري تحت ظلال حاملات الطائرات وأسراب الـ F-35.
وبينما يراهن ترامب على أن “القوة الفتاكة” والضغط الاقتصادي سيجبران طهران على الانحناء في اللحظة الأخيرة، تراهن إيران على أن كلفة الحرب بما تشمله من اشتعال جبهات إقليمية وانهيار لأسواق الطاقة العالمية هي “درع حماية” كافٍ لمنع سقوط القنبلة الأولى.
إن المهلة التي حددها البيت الأبيض مع مطلع مارس لا تمثل موعداً نهائياً لاتفاق سياسي فحسب، بل هي “ساعة الصفر” التي ستحدد شكل الشرق الأوسط للعقد القادم. فإما أن نشهد ولادة “تسوية تاريخية” مريرة للطرفين تحت ضغط الضرورة، أو أن المنطقة ستنزلق نحو صراع شامل لن يكون فيه “رابح”، حيث ستختلط فيه تكنولوجيا الصواريخ بخرائب الاقتصاد، لتبدأ حرب استنزاف كبرى حذر منها حتى جنرالات البنتاغون.
يبقى السؤال القائم: هل ستنتصر “حكمة الضرورة” في جنيف، أم أن طبول الحرب التي تُقرع في واشنطن وطهران ستصمّ آذان الدبلوماسيين وتعلن بدء المواجهة الكبرى؟