المصدر الأول لاخبار اليمن

خارطة الدم والكانتونات لتنفيذ مخطط إسرائيل الكبرى

اليمن في قلب الاستهداف..

تحليل | محمد الفائق

بينما تنشغل الآلة العسكرية للكيان الصهيوني في شن حرب إبادة وتدمير في غزة ولبنان، بدأت تبرز إلى السطح معالم مشروع استراتيجي أبعد أثراً، يتجاوز “تأمين الحدود” إلى إعادة رسم الخرائط.
تقارير دولية وتصريحات لمسؤولين في تل أبيب تتقاطع اليوم مع وثائق تاريخية وضعت منذ عقود، لتؤكد أن ما يجري ليس مجرد “رد فعل أمني”، بل هو تنفيذ ممنهج لمشروع “إسرائيل الكبرى” القائم على الهيمنة الجغرافية والسياسية والاقتصادية على قلب العالم العربي.

والأخطر من ذلك، لم يعد مشروع “إسرائيل الكبرى” مجرد شعارات توراتية يرددها المتطرفون، بل تحول إلى عقيدة سياسية يتبناها وزراء في الحكومة الحالية.
وفقاً لتقارير نشرتها صحف عالمية في أبريل 2026، فإن اليمين الصهيوني المتطرف يدفع بقوة نحو التوسع الإقليمي، حيث دعا مسؤولون في حكومة الاحتلال صراحة إلى التوسع نحو “دمشق”، معتبرين أن السيادة الصهيونية يجب أن تمتد لتشمل الضفة الغربية بالكامل كخطوة أولى نحو “الجغرافيا التاريخية الموعودة”.

وفي هذا السياق، يكشف الإعلام العبري عن بناء رقم قياسي من الوحدات الاستيطانية في الضفة، وهو ما يوصف بأنه “ضم فعلي” ينهي أي فرصة لكيان فلسطيني مستقل، وهو مدعوم بتصريحات مسؤولين أمريكيين مثل السفير “هاكابي” الذي يصف أراضي إسرائيل الممتدة من النيل إلى الفرات بأنها “حق يهودي منحه الله قبل 3000 عام”.

في سياق متصل وأكثر خطورة، تعتمد الحيثيات التوسعية بشكل أساسي على خطة المستشرق والمستعرب الصهيوني “عوديد ينون” (Oded Yinon) المنشورة في فبراير 1982 في مجلة “كيفونيم” (Kivunim)، والتي تعتبر بمثابة خارطة طريق لتفكيك الدول العربية.

وهنا تكمن المفارقة: لا تعتمد الخطة على الاحتلال المباشر فقط، بل تقوم على استراتيجية “فرق تسد” عبر إذكاء الصراعات الطائفية والدينية.
فقد نصت الوثيقة على أن بقاء إسرائيل لا يكون إلا بتفكيك الدول العربية المحيطة إلى دويلات عرقية ومذهبية متناحرة، مما يضمن بقاء الكيان الصهيوني القوة المهيمنة الوحيدة.
وبالانتقال إلى تفعيل المخطط في الميدان عام 2026، نجد المشهد يتكشف بوضوح دامغ: ففي العراق، نصت خطة ينون على ضرورة تفكيكه إلى ثلاث كانتونات (شيعي، سني، وكردي)، وما نشهده اليوم من انقسامات وتبعية إقليمية هو ترجمة فعلية لهذا البند.

وفي سوريا، اعتبر ينون أنها “أهم جوهرة في تاج إسرائيل”، ودعا إلى تفتيتها إلى دويلات (علوية، سنية، درزية) على أن تكون مناطق عازلة، والتطورات الميدانية تظهر أن الكيان يستغل حالة التفكك لفرض أحزمة أمنية دائمة داخل الأراضي السورية متوغلاً نحو العاصمة دمشق.
أما لبنان، فقد تم تحديده كنموذج أولي للتقسيم إلى خمس دويلات، وهو ما يفسر العدوان الممنهج على البنية التحتية والتمدد نحو نهر الليطاني.

ولكن المفاجأة المدوية تكمن في أن تقارير الوكالات العالمية والمنظمات الحقوقية تؤكد أن التوسع الصهيوني ليس فقط لأجل الأرض، بل للسيطرة على “أعصاب الحياة” في الشرق الأوسط: المياه والطاقة.
ففي ملف نهب المياه، كشفت الأحداث أن هدف العمليات العسكرية في جنوب لبنان يتمحور حول السيطرة على نهر الليطاني، ثاني أكبر مصدر للمياه العذبة في لبنان بمعدل تدفق سنوي يصل إلى 920 مليون متر مكعب.

والأدهى من ذلك، أن هذا الطموح ليس جديداً؛ فهو يعود إلى مؤتمر باريس 1919، حيث طالب “حاييم وايزمان” بضم الليطاني كحدود “شمالية طبيعية” للكيان.
واليوم، وبصوت عالٍ، يطالب وزير مالية الاحتلال بتسلئيل سموتريتش صراحةً بأن “الحدود الجديدة لإسرائيل يجب أن تكون الليطاني”، ويتم تنفيذ ذلك عبر تدمير الجسور واقتلاع الأشجار وتهجير السكان لإنشاء “منطقة عازلة” تخدم مشروع الضم المائي.

أما في ملف ابتزاز الطاقة، فتعمل إسرائيل على تحويل نفسها إلى مركز إقليمي للغاز، بالتعاون مع الشركات الأمريكية، مما يجعل دول الجوار مرتبطة طاقياً بالقرار الصهيوني.
ومن هنا، يسعى هذا المشروع لتعطيل الموانئ العربية وتحويل مسارات التجارة العالمية نحو الموانئ المحتلة، في إطار ما يسمى “خارطة الإخضاع عبر الموارد”.

والحقيقة المرة التي تكشفها الوقائع أن رغم أن فلسطين ولبنان يحظيان باهتمام كبير، إلا أن المحللين الاستراتيجيين يشيرون إلى أن مخطط “ينون” يتجاوز حدود الوطن العربي ليصل إلى جيران الصف الثاني.
ففي اليمن، تكشف التحركات الصهيونية في الداهل أن الحرب المستمرة ليست مجرد عدوان على المقاومة، بل هي جزء من عزل البحر الأحمر وضرب الممرات الملاحية العربية لصالح الموانئ الإسرائيلية، وصولاً إلى تقسيم اليمن إلى دويلات (جنوبية، شمالية، حضرموت) وفق الرؤية الصهيونية لتفكيك أي دولة عربية قادرة على التهديد.
ومن جهة أخرى، فيما يتعلق بالورقة الكردية، تشير تقارير صادرة في أبريل 2026 إلى أن الكيان الصهيوني بدأ بتحريك “الورقة الكردية” كأداة ضغط وتفتيت، حيث يعمل على إحياء فكرة “الدولة الكردية” كدولة حليفة، ليس خدمة للأكراد، بل كرأس حربة لتفكيك دول الجوار الشمالي، فالهدف التالي بعد سوريا والعراق هو إشعال الفتن الداخلية في تركيا عبر تحويل الصراع السياسي إلى صراع عرقي.

وفي مواجهة إيران، أكدت صحيفة “الجارديان” ومصادر في “الجزيرة” أن استمرار العدوان على إيران ليس مجرد صراع إقليمي، بل هو إزالة “العقبة الأخيرة” أمام مشروع إسرائيل الكبرى، حيث يعتقد نتنياهو والنخبة الأمنية أن هزيمة إيران هي مفتاح السيطرة المطلقة على الشرق الأوسط.

ومن باب الاستطراد إلى البعد المستقبلي، كشفت مقالات تحليلية في أبريل 2026 أن القيادة الصهيونية تسعى لفرض نظام إقليمي جديد (نظام الهيمنة) تصبح فيه إسرائيل “المركز والمحرك الأساسي”، وبقية الدول العربية مجرد “أطراف تابعة” (كانتونات).

والأكثر إثارة للقلق، أن هذا النظام يتضمن:
أولاً، التبعية اللوجستية عبر تحويل الموانئ الإسرائيلية إلى البوابات الوحيدة للتجارة وإفشال مشاريع الربط البري العربي.
ثانياً، التبعية الأمنية عبر فرض مناطق عازلة ومنزوعة السلاح في سوريا ولبنان، وجعل هذه الدول خاضعة لنظام الإنذار المبكر الإسرائيلي. ثالثاً، التطبيع مع الاحتلال كإملاء استسلامي تحت وطأة الضغط العسكري والاقتصادي، وليس كخيار سياسي.

أخيراً وليس آخراً، الخلاصة الحاسمة: إن الحيثيات التي تكشفها التقارير الاستخباراتية والوكالات العالمية لا تترك مجالاً للشك بأن المشروع الصهيوني ليس مجرد “نزاع حدودي” يمكن حله بالتنازلات، بل هو صراع وجودي يهدف إلى ابتلاع الجغرافيا وتفكيك الهوية السياسية للدول العربية وتحويل المنطقة إلى كانتونات طائفية ضعيفة تتصارع فيما بينها تحت هيمنة صهيونية مطلقة.

فحالة الطوارئ القصوى التي يعيشها الشرق الأوسط اليوم، من المحيط الأطلسي إلى الخليج، هي ترجمة فعلية لدماء الشهداء على خارطة رسمها عوديد ينون منذ 42 عاماً.
وبناءً عليه، أمام هذا الخطر المصيري، لا خيار أمام شعوب المنطقة إلا استعادة وعيها الجهادي وتجاوز خلافاتها البينية لمواجهة مخطط التقسيم الذي يُنفذ على الأرض الآن وليس في الكتب.

قد يعجبك ايضا