المصدر الأول لاخبار اليمن

أطفال بلا أثر في غزة.. تحقيق يكشف مقابر صامتة تحت الركام وملفاً مفتوحاً للاخفاء القسري

تقرير/عبدالكريم مطهر مفضل

تختفي أسماء الأطفال في غزة كما لو أنها لم تكن يوماً جزءاً من هذا العالم. لحظات قصيرة تفصل بين ضحكة عابرة وغيابٍ كامل، تاركةً خلفها عائلات عالقة بين الأمل والصدمة.

تحت الأنقاض ترقد آلاف الجثامين، وفي المخيمات يتسع سجل المفقودين، بينما يظل مصير مئات الأطفال لغزاً مفتوحاً في واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إيلامًا وتعقيدًا.

في غزة، لا تُقاس الحرب بعدد الغارات فقط، بل بعدد الأسماء التي تختفي فجأة من النداء اليومي للحياة. أطفال خرجوا لدقائق ولم يعودوا، وآخرون ما زالوا مدفونين تحت أنقاض منازلهم، فيما تتسع فجوة الغموض حول مصير مئات منهم، في واحدة من أكثر القضايا الإنسانية تعقيدًا وإيلامًا.

تقديرات المركز الفلسطيني للمفقودين تشير إلى أن نحو 2700 جثة لأطفال لا تزال تحت الركام، مقابل قرابة 200 طفل في عداد المفقودين، في ظروف تتداخل فيها الفوضى الميدانية الناتجة عن انتشار الميليشات الموالية للاحتلال مع تبعات العدوان الإسرائيلي العسكري المستمر، ما يجعل الوصول إلى الحقيقة مهمة شبه مستحيلة.

 

من “أرقام” إلى وجوه

في تحقيق نادر، خرجت صحيفة “هآرتس” العبرية عن النمط السائد، وقدّمت قصص الأطفال المفقودين كحكايات إنسانية، مرفقة بصورهم، في محاولة لإعادة الاعتبار لضحايا غالبًا ما يُختزلون في إحصائيات.

تقول الصحفية الفلسطينية أسراء (إخفاء اللقب لأغراض السلامة)  لوكالة الصحافة اليمنية: “المأساة هنا ليست فقط في فقدان الأطفال، بل في محو قصصهم. حين يتحول الطفل إلى رقم، يسهل تجاهله، لكن حين ترى صورته، يصبح اختفاؤه جريمة لا يمكن إنكارها”.

 

اختفاء في قلب الفوضى

داخل مخيمات النزوح، حيث تتلاصق الخيام وتغيب أبسط مقومات الأمان خاصة بعد استهداف طائرات الاحتلال لمراكز الشرطة وانتشار المليشيات المسلحة، تتحول لحظة واحدة إلى فاصلة بين الوجود والاختفاء.

الطفل محمد غبن، أربعة أعوام، خرج من خيمة عائلته في بيت لاهيا ولم يعد. عشر دقائق كانت كافية ليبتلعه المجهول.

تقول الصحفية إسراء: “نحن أمام بيئة مثالية للاختفاء: اكتظاظ، انهيار منظومة التتبع العائلي، غياب سجلات دقيقة، ميليشيات مسلحة تابعة للاحتلال، وخوف دائم يمنع البحث المنظم. أي طفل يمكن أن يضيع بلا أثر”.

ولا تقتصر الحالات على الضياع؛ فبحسب حيث وثّق التحقيق العبري، حالات أطفال اختفوا قرب مناطق تماس عسكرية، أو أثناء محاولتهم الوصول إلى الغذاء، فيما يُرجّح أن بعضهم أصيب أو احتُجز دون توثيق.

في السياق، كشف مركز فلسطين لدراسات الأسرى عن تصاعد خطير في استهداف الأطفال الفلسطينيين بالاعتقال والانتهاكات منذ اندلاع العدوان على قطاع غزة في أكتوبر 2023، موثقًا أكثر من 1800 حالة اعتقال في صفوف القاصرين، بينهم أطفال لا تتجاوز أعمار بعضهم 10 سنوات.

 

صدمات نفسية تقود إلى المجهول

تقرير الصحيفة العبرية يقول: قصة الطفل سامر أبو جامع (10 أعوام) تكشف بعداً آخر للأزمة. صدمات متكررة نتيجة مشاهد العنف، ثم اختفاء غامض قرب رفح.

 

ابتزاز في الظل.. وحقيقة غائبة

التقرير العبري يقول: “في ظل غياب سلطة مركزية قادرة على التحقق، تتضارب الروايات”. السلطات الأمنية والعسكرية التابعة للاحتلال الإسرائيلي تنفي وجود عمليات اختطاف منظمة، بينما تشير شهادات لجنود الاحتلال إلى حالات مرتبطة بالاحتكاك مع قوات الاحتلال أو بمناطق خطرة.

من أخطر ما كشفه التحقيق العبري، روايات عن تواصل جهات استخباراتية مع عائلات أطفال فلسطينيين مفقودين، عارضة معلومات مقابل تعاون.

يعلّق الكاتب والباحث الفلسطيني هلال نصار في حديثه لوكالة الصحافة اليمنية: “إذا ثبتت هذه الوقائع، فنحن أمام انتهاك خطير لاتفاقيات جنيف، حيث يُحظر استغلال معاناة المدنيين، خصوصًا الأطفال، لتحقيق مكاسب استخباراتية”.

 

قيود تعيق الوصول إلى الحقيقة

أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن لديها آلاف الطلبات المفتوحة لتتبع مفقودين في غزة، لكنها تواجه قيودًا حادة من سلطات الاحتلال تحد من قدرتها على الوصول إلى المعلومات أو المحتجزين.

وتوضح الصحفية إسراء: “بدون وصول ميداني، وبدون سجلات احتجاز شفافة، يصبح ملف المفقودين مغلقًا فعليًا، حتى لو ظل مفتوحًا على الورق”.

 

مأساة بلا نهاية واضحة

ما يجري في غزة يتجاوز حدود الفقد التقليدي؛ إنه ملف اختفاء جماعي يتشكل ببطء، حيث يشكل العدوان والحصار وانتشار الميليشيات التابعة للاحتلال المزيد من الفوضى، ويصبح الطفل الغزي الحلقة الأضعف في معادلة بلا ضمانات.

يقول نصار: “تواجه غزة واقعًا أمنيًا معقدًا في ظل العدوان المتواصل رغم الخروقات اليومية من طرف الاحتلال ، حيث برزت ظاهرة العصابات والمليشيات المسلحة ومشاهد الفوضى كعامل إضافي لزيادة معاناة السكان عبر استغلال المساعدات والاعتداء على الممتلكات والتعاون مع الاحتلال في عمليات الخطف والاغتيالات”.

في النهاية، لا تبحث العائلات عن إجابات سياسية، بل عن إجابة واحدة فقط: أين أطفالنا؟

سؤال بسيط في صياغته، معقد في واقعه، ومعلّق حتى إشعار آخر بين الركام والصمت وجبروت سياسية الجرائم المنظمة للاحتلال الإسرائيلي.

قد يعجبك ايضا