تكشف الوقائع الاقتصادية على الأرض في الوقت الراهن عن استراتيجية سعودية ممعنة في الإضرار بالبنية الهيكلية للاقتصاد اليمني، وهي سياسة لا تختلف في جوهرها عن الأجندات الإماراتية السابقة الهادفة إلى تعطيل ميناء عدن جنوب اليمن، وتحويل مسار الحركة التجارية والتدفقات السلعية للبضائع اليمنية قسريا نحو ميناء جدة الواقع على البحر الأحمر.
وبدلا من استغلال الموقع الجيوسياسي الفريد لميناء عدن كبوابة طبيعية وتاريخية للتجارة العالمية المتجهة نحو السوق اليمني، فرضت السعودية واقعا اقتصاديا يكلف الشعب اليمني مبالغ باهظة عبر إجبار الحاويات القادمة من المراكز الإنتاجية الكبرى في الصين والهند وغيرها على التوجه أولا إلى ميناء جدة كمسار قسري لا يمكن تصنيفه ضمن الإجراءات التنظيمية، بل هو عملية استنزاف مالي منظم تضاعف معاناة اليمنيين وتثقل كاهلهم بأعباء إضافية.
إن الإجراء السعودي لا ينفصل عن السياق السابق الذي كانت تمر فيه الحاويات التجارية من الصين وغيرها وصولا إلى ميناء جبل علي الإماراتي، ومنه تنطلق إلى ميناء جدة مرورا من أمام سواحل ميناء عدن، ثم تعود مجددا من ميناء جدة بعد مكوثها لأيام طويلة إلى وجهتها النهائية في عدن.
وتظهر هذه العملية كجزء من لعبة اشبه بين “القط الإماراتي والفأر السعودي” منذ بدء الحرب على اليمن في 2015م، بالتحكم في سلاسل التوريد بالبضائع اليمنية، مما يتسبب في تلف الشحنات وزيادة الرسوم الجمركية واللوجستية، وهي كلفة باهظة يتحملها المستهلك اليمني المطالب بدفع فوارق هذه الرحلات العبثية في نهاية المطاف.
وبعد السيطرة السعودية على عدن وبقية المحافظات الجنوبية، تمارس الرياض نفس الإجراءات الإماراتية الممنهجة بجعل دور ميناء عدن ثانويا وهامشيا، في ظل استمرار الخطاب التضليلي الذي تروج له الرياض حول وقوفها المخادع إلى جانب اليمن في القضايا التنموية والاقتصادية عبر حكومة “شائع الزنداني” التابعة لها التي تفتقر لقرارها السيادي.
حيث استغلت السعودية بذكاء الصراعات العسكرية والتوترات الجيوسياسية في مضيق هرمز، فبينما كانت الخطوط الملاحية تتجنب التوجه إلى ميناء جبل علي الإماراتي بسبب المخاطر الأمنية، قدمت الرياض ميناء جدة كبديل آمن لاستقبال البضائع ولكن ليس بغرض تسهيل تدفق الغذاء والسلع الأساسية لليمنيين، بل لإنعاش اقتصادها الخاص وتعزيز مركزية موانئها.
وقد أدى هذا التوجه إلى مزيد من الاحتكار في تدفق البضائع المتجهة لليمن والتحكم المطلق بمواعيد وصولها، مع استمرار الإغلاق المتعمد لميناء عدن أمام الخطوط الملاحية المباشرة بحجج وذرائع أمنية واهية في حين تتدفق ذات السلع بحرية وانسيابية تامة نحو الأرصفة السعودية، مع استمرار الازمة الاقتصادية التي تنهك حكومة “الزنداني” في عدن التي تعاني حالة من الشلل المالي الممنهج والارتهان الكلي للرياض.
وأسهمت حكومة “الزنداني” بحرمان الخزينة من عائدات ميناء عدن الضخمة التي كانت ستوفرها جمارك وضرائب الميناء حال تفعيله بكامل طاقته التشغيلية، إلا أنها تكتفي بالفتات التي تقدمها الرياض من المنح والودائع المشروطة التي لا تعالج أصل المشكلة بل تثقل كاهل الاقتصاد بالديون والالتزامات المالية المكلفة.
ويظهر اخفاق الحكومة وعجزها حتى عن توفير وقود محطات توليد الطاقة الكهربائية في عدن وبقية المحافظات الجنوبية التي باتت تغرق في الظلام الشامل، وما ترتب على ذلك من انقطاع خدمة المياه والصرف الصحي، ليتم جلب المياه على ظهور الحمير التي عادت إلى المدينة كحل أخير لحصول المواطنين على الخدمة.
لذلك.. لا يختلف ميناء عدن خلال الوضع الراهن عن السياسة الإماراتية بالأمس التي عطلته لسنوات مقابل ازدهار وانتعاش ميناء جبل علي بدبي، مع فارق وحيد يتمثل في انتقال مركز التحكم من أبوظبي إلى الرياض، الأمر الذي يؤكد أن الأولوية الإقليمية ليست لتخفيف معاناة اليمنيين، بل لإغراقهم في دوامة الأزمات المعيشية ومضاعفة كلف الحياة على المواطن الذي بات يدفع ثمن هذه المؤامرة الاقتصادية من قوته اليومي.