المصدر الأول لاخبار اليمن

رخيصة الثمن وعالية التأثير: كيف أصبحت مُسيّرات “FPV” كابوسًا لإسرائيل جنوب لبنان؟

تقرير| وكالة الصحافة اليمنية |

في مشهد يعكس التحولات المتسارعة في طبيعة الحروب الحديثة، برزت الطائرات المسيّرة الانقضاضية من نوع “FPV” كأحد أكثر الأسلحة تأثيراً في ساحات المواجهة، بعدما نجحت في إرباك جيوش متطورة وفرض معادلات ميدانية جديدة بكلفة منخفضة وإمكانات بسيطة.

ومع تصاعد استخدام هذا النوع من المسيّرات في المواجهة جنوب لبنان، تحوّلت هذه الطائرات الصغيرة إلى مصدر قلق متزايد داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ليس فقط بسبب قدرتها التدميرية والدقة العالية التي تتمتع بها، بل أيضاً لما تمثله من تغيير جذري في مفهوم القوة الجوية والتفوق العسكري التقليدي.

 “FPV” سلاح صامت يضرب بدقة

وفي هذا الإطار، قال العميد الركن والخبير العسكري اللبناني، نضال زهوي، إن “الطائرات المسيّرة الانقضاضية من نوع FPV تمثل تحولًا كبيرًا في طبيعة المواجهات العسكرية الحديثة”، مشيراً إلى أن هذا السلاح “أثبت فعالية لافتة في ميادين القتال، لا سيما بعد التجربة الأوكرانية، قبل أن تعمل المقاومة في لبنان على تطويره بما يتلاءم مع طبيعة المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي”.

وأوضح زهوي أن هذه المسيّرات “عبارة عن طائرات صغيرة تعمل بأربع مراوح متناسقة وبطاريات كهربائية، ما يجعلها شبه صامتة”، لافتاً إلى أن “غياب محركات الاحتراق التقليدية يمنحها قدرة عالية على التخفي وتقليل البصمة الصوتية، بحيث يقتصر الصوت الصادر عنها على اندفاع الهواء فقط”.

وأشار إلى أن “من أبرز ميزاتها قدرتها على الطيران المنخفض جداً، الأمر الذي يسمح لها بتفادي الرصد عبر أنظمة الرادار التقليدية”، مضيفاً أن “المقاومة طوّرت هذا النوع من المسيّرات عبر اعتماد التوجيه السلكي باستخدام الفايبر أوبتك بدلاً من أنظمة الاتصال اللاسلكية، ما يمنع رصدها أو التشويش عليها كهرومغناطيسياً”.

وبيّن زهوي أن هذا التطوير “غيّر نمط المواجهة”، إذ بات بإمكان المقاومة تنفيذ عمليات دقيقة خلف خطوط العدو دون الحاجة إلى عمليات تسلل بشرية محفوفة بالمخاطر، مؤكداً أن “الكلفة التشغيلية لهذه الطائرات متدنية جداً مقارنة بقدراتها التدميرية، حيث لا تتجاوز كلفة المسيّرة مع المتفجرات نحو ألف دولار، بينما يوازي تأثيرها تأثير صاروخ دقيق”.

وأضاف أن “دقة الإصابة ترتكز على البث المباشر الذي يشاهده المشغّل لحظة بلحظة”، موضحاً أن استخدام وصلة “الفايبر أوبتك” يضمن سرعة نقل عالية للبيانات والصورة دون التأثر بالتشويش، ما يسمح للمشغّل بتوجيه المسيّرة نحو “نقطة الضعف القاتلة” في الآليات أو المواقع المستهدفة، لتصبح نسبة الخطأ شبه معدومة.

ولفت إلى أن “تأثير هذا السلاح لا يقتصر على الجانب المادي، بل يمتد إلى البعد النفسي”، موضحاً أن المسيّرات الانقضاضية “خلقت حالة رعب دائم لدى الجنود الإسرائيليين”، إذ يشعر الجندي بأنه مراقب ومستهدف في أي لحظة، حتى داخل المواقع المحصنة، ما ينعكس استنزافاً بشرياً ونفسياً ويحدّ من قدرة الاحتلال على تثبيت نقاط عسكرية متقدمة”.

وختم زهوي بالتأكيد أن هذا النوع من المسيّرات بات يُعد “سلاحاً كاسراً للتوازن” بسبب فعاليته العالية وكلفته المنخفضة، موضحاً أن الطائرة الواحدة تحمل نحو خمسة كيلوغرامات من المواد المتفجرة، وهي كافية لتدمير آلية عسكرية أو استهداف مجموعة من الجنود، لكنه أشار في المقابل إلى وجود نقطة ضعف أساسية تتمثل في محدودية المدى، نظراً لاعتمادها على سلك “الفايبر أوبتك”، إضافة إلى احتمال تعثر السلك بالعوائق الطبيعية أو العمرانية أثناء الطيران السريع.

السماء لم تعد حكراً على الجيوش

بدوره، رأى العميد الركن والخبير العسكري اللبناني، محمد حرز، أن “الطائرات المسيّرة الانقضاضية من نوع FPV أحدثت تحولاً جذرياً في مفهوم القوة الجوية والحروب الحديثة، بعدما كانت السيطرة على السماء حكراً على الجيوش النظامية التي تمتلك الطائرات الحربية المتطورة والبنى اللوجستية المعقدة”.

وأوضح حرز، أن “الجيوش لطالما اعتمدت على التفوق الجوي لحسم المعارك”، مشيراً إلى أن ‘الاحتلال الإسرائيلي امتلك لعقود أفضلية جوية على جيوش المنطقة، لكن مع دخول الطائرات المسيّرة الحديثة، سواء الانقضاضية أو المخصصة للرصد والمراقبة، تغيّر وجه الحرب بالكامل، إذ أصبحت الطائرة الصغيرة بدون طيار قادرة على تنفيذ مهام كانت تحتاج سابقاً إلى طائرات نفاثة باهظة الكلفة”.

وأشار إلى أن “التجربة الأوكرانية شكّلت محطة مفصلية في هذا المجال”، مستذكراً الهجوم الذي استهدف طائرات روسية داخل قواعدها الجوية عبر مسيّرات صغيرة، في العملية التي عُرفت باسم “شبكة العنكبوت”، مؤكداً أن “كلمة السر في تلك العمليات كانت FPV”.

وبيّن حرز أن “المقاومة في لبنان اعتمدت أخيراً هذا النوع من المسيّرات ضمن المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي”، ما شكّل “صدمة حقيقية للعدو الذي بدا مرتبكاً في كيفية التعامل مع هذا التهديد الجديد”، موضحاً أن “طائرات FPV هي مسيّرات صغيرة ورخيصة الثمن، تُدار عبر بث فيديو مباشر ينقله الطيار من كاميرا الطائرة إلى نظارات خاصة، ما يمنح المشغّل تجربة تحاكي الجلوس داخل الطائرة نفسها”.

وأشار إلى أن “العديد من هذه الطائرات يتم تجميعها محلياً باستخدام تقنيات مفتوحة المصدر، حيث تُجهّز بكاميرات ورؤوس متفجرة ثم تُرسل إلى الخطوط الأمامية”، مؤكداً أن “الميزة القاتلة فيها أنها لا تحتاج إلى أقمار اصطناعية أو بنى تحتية معقدة”، ما يسهّل استخدامها من قبل مجموعات صغيرة أو قوات غير نظامية.

ورأى حرز أن ظهور مسيّرات “FPV” أدى إلى “تصدع فلسفة السيطرة الجوية التقليدية”، موضحاً أنه في الحروب السابقة كان فرض السيطرة على السماء يتطلب تدمير الدفاعات الجوية والقواعد العسكرية للخصم، “أما اليوم، فقد تكفي حقيبة صغيرة تحتوي على طائرة FPV وبرمجية مفتوحة المصدر وشخص خبير بالإلكترونيات لتدمير دبابة أو استهداف مقر عسكري”.

وأكد أن السماء “لم تعد حكراً على الجيوش”، بل باتت مفتوحة أمام الأفراد والمجموعات غير النظامية، معتبراً أن هذه المسيّرات لا تمثل مجرد تطور تقني، بل “ثورة فلسفية وعسكرية” تعيد طرح سؤال أساسي: “من يملك السماء اليوم؟”.

وختم حرز بالقول إن مسيّرات FPV تحمل رسائل سياسية وعسكرية تتجاوز بعدها الميداني، لا سيما في سياق المواجهة جنوب لبنان، حيث تحولت إلى أداة ضغط نفسي وعسكري مستمر على الاحتلال الإسرائيلي، مضيفاً أنها “باتت تمثل ذباباً مدمراً يقلب المعادلات الميدانية ويكشف عجز العدو عن مواجهة هذا النوع من التهديد، رغم امتلاكه خبرات تكنولوجية متقدمة”.

من جانبه، أشار الباحث والمختص في الشأن الإسرائيلي محمد هلسة إلى أن “الإعلام الإسرائيلي تعامل مع استخدام المقاومة للطائرات المسيّرة الانقضاضية من نوع FPV باعتباره تحدياً ميدانياً مفاجئاً أربك المؤسسة العسكرية الإسرائيلية”، مشيراً إلى أن “الانتقادات داخل إسرائيل طالت الجيش بسبب عجزه عن تقديم حلول سريعة وفعالة لهذا التهديد الجديد”.

وأوضح هلسة أن القلق داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية يرتبط بعدة عوامل، أبرزها أن هذا السلاح فُرض على الجيش في لحظة ميدانية حساسة “لم تكن لدى المؤسسة الأمنية فيها رفاهية الوقت لتطوير آليات مواجهة”، إضافة إلى أن الخسائر والاستنزاف الناتجين عنه ينعكسان مباشرة على صورة الجيش داخل المجتمع الإسرائيلي الذي “يبدي حساسية عالية تجاه الخسائر البشرية”.

وأضاف أن مصدر القلق لا يرتبط فقط بفعالية هذه المسيّرات، بل أيضاً بطبيعتها البسيطة والمتواضعة تقنياً مقارنة بحجم التحدي الذي فرضته على واحدة من أكثر المؤسسات العسكرية تطوراً في المنطقة، معتبراً أن هذا الأمر شكّل إحراجاً لصورة التفوق الأمني والتكنولوجي الإسرائيلي.

وبيّن أن “الجيش الإسرائيلي اضطر إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات الميدانية الجديدة، من بينها تركيب شباك حماية فوق الآليات، وتزويد الجنود بنظارات رؤية محسّنة، وإعادة توزيع القوات ضمن مجموعات أصغر، إضافة إلى الحد من حركة الطوافات العسكرية في المناطق القريبة من الجبهة خشية استهدافها، فضلاً عن تزويد الجنود بذخائر خاصة لمحاولة تحسين فرص إسقاط المسيّرات”.

وفيما يتعلق بالنقاشات داخل مراكز الدراسات الإسرائيلية، رأى هلسة أن “التعامل مع هذا التحدي لا يزال يُنظر إليه باعتباره ملفاً أمنياً وتقنياً أكثر من كونه قضية استراتيجية كبرى”، موضحاً أن التركيز الأساسي يجري داخل المؤسسة العسكرية والصناعات الدفاعية الإسرائيلية لإيجاد حلول ميدانية مباشرة، أكثر من خضوعه لدراسات أكاديمية معمقة حتى الآن.

لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن “هذه الظاهرة تعكس تحولاً أوسع في طبيعة الحروب الحديثة، حيث لم تعد فائض القوة العسكرية والتفوق الجوي كافية وحدها لحسم المعارك”، مؤكداً أن “الحروب المعاصرة باتت تسمح لأدوات منخفضة الكلفة بإرباك جيوش تمتلك قدرات عسكرية هائلة”.

وأكد هلسة أن “الطائرات المسيّرة الانقضاضية لا تمثل، في السياق اللبناني الحالي، بتهديداً استراتيجياً وجودياً لإسرائيل بقدر ما تشكل تهديداً أمنياً تكتيكياً مباشراً”، معتبراً أن إسرائيل قد تتمكن من تطوير وسائل للتعامل معها مستقبلاً، لكنه شدد على أن فعالية هذه المسيّرات ترتبط أيضاً بظروف المواجهة الحالية، ولا سيما القيود التي يفرضها وقف إطلاق النار.

وأوضح أن “المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ترى أن جزءاً من عجزها عن القضاء الكامل على هذا التهديد يعود إلى عدم قدرتها على استهداف البنى المرتبطة بإنتاج هذه المسيّرات أو تخزينها أو إطلاقها داخل لبنان، بسبب القيود السياسية والعسكرية المفروضة حالياً”، مضيفاً أن “إسرائيل” تعتقد أن توسيع نطاق العمليات العسكرية قد يخفف من فاعلية هذا السلاح عبر استهداف بنيته التحتية.

وختم هلسة بالتأكيد أن هذه المسيّرات أثرت بوضوح على صورة التفوق التكنولوجي الإسرائيلي، موضحاً أن “دولة تقدّم نفسها باعتبارها الأكثر تطوراً في مجال الصناعات العسكرية والأمن السيبراني في المنطقة، وجدت نفسها أمام تحدٍّ فرضته طائرات بسيطة ومنخفضة الكلفة”، معتبراً أن “هذا الأمر شكّل ضربة لصورة الردع والتفوق التي طالما سعت إسرائيل إلى ترسيخها”.

 عصر “سلاح كسر التوازن” بدأ

من جهته، قال الكاتب والمحلل سعيد إنجاص إن “الطائرات المسيّرة، ولا سيما مسيّرات FPV الانقضاضية، أحدثت انقلاباً جذرياً في العقيدة العسكرية العالمية، بعدما تحولت من مجرد أدوات استطلاع إلى سلاح كسر توازن أعاد تعريف مفهوم القوة العسكرية وفرض معادلات جديدة في الحروب الحديثة”.

وأوضح إنجاص، أن هذا التحول أنهى مرحلة “فائض البطش بلا ثمن”، مشيراً إلى أن “المسيرات نجحت في كسر احتكار الأجواء الذي كان حكراً على الجيوش ذات الميزانيات الضخمة والطائرات المتطورة، مثل المقاتلات الحديثة”، مؤكداً أن “مسيرات منخفضة الكلفة باتت قادرة على إرباك أقوى منظومات الدفاع الجوي ومنح الجيوش الصغيرة أو حركات المقاومة قدرة ردع فعالة”.

وأشار إلى أن الحروب الحديثة دخلت مرحلة “الاستنزاف الاقتصادي”، حيث فرضت المسيّرات معادلة غير متكافئة من حيث الكلفة، إذ يمكن لطائرة لا تتجاوز قيمتها آلاف الدولارات أن تستنزف صواريخ اعتراض تُقدّر بملايين الدولارات، الأمر الذي يحوّل التفوق العسكري أحياناً إلى عبء اقتصادي ثقيل على الجيوش الكبرى.

ورأى إنجاص أن “ظهور المسيّرات الانقضاضية ساهم أيضاً في تقويض الدور التقليدي للدبابات والمدرعات”، موضحاً أن “الدبابة التي كانت رمز السيطرة والحسم الميداني أصبحت هدفاً مكشوفاً من الأعلى”، ما جعل “أي عملية توغل بري أكثر كلفة وتعقيداً من الناحية البشرية والمادية”.

وأضاف أن التغطية الجوية الدائمة التي توفرها المسيّرات أنهت إلى حد بعيد مفهوم “الهجوم المفاجئ”، إذ “باتت تحركات القوات مكشوفة لحظة بلحظة، الأمر الذي حدّ من قدرة الجيوش على المناورة التقليدية وأجبرها على تعديل تكتيكاتها الميدانية”.

وأكد إنجاص أن أكثر ما أربك الجيوش الكبرى في هذا السلاح هو “الدقة الجراحية” التي تتيح استهداف الأهداف الحساسة مثل غرف القيادة والرادارات ومراكز التحكم، إلى جانب القدرة على تنفيذ العمليات من دون تعريض أعداد كبيرة من الجنود للخطر، ما يخفف الضغط السياسي والشعبي الناتج عن الخسائر البشرية.

كما اعتبر أن سهولة تصنيع هذه المسيّرات وانتشار تقنياتها أسهما في “دمقرطة السلاح”، بحيث لم تعد التكنولوجيا العسكرية المتقدمة حكراً على الدول الكبرى، بل أصبحت متاحة أمام مجموعات صغيرة قادرة على تطوير أدوات قتالية فعالة بإمكانات محدودة.

وختم إنجاص بالقول إن العالم يقف اليوم أمام “عصر جديد من الحروب”، حيث لم يعد النصر مرتبطاً بامتلاك السلاح الأغلى أو الجيوش الأكبر، بل بالقدرة على توظيف التكنولوجيا الذكية واستنزاف الخصم مادياً ونفسياً، مؤكداً أن مسيّرات FPV غيّرت بالفعل مفهوم القوة والتفوق العسكري التقليدي.

هذا وتُعدّ الطائرات المسيّرة الانقضاضية من نوع “FPV” من أبرز الأسلحة التي فرضت حضورها في الحروب الحديثة، لا سيما بعد استخدامها المكثف في الحرب الروسية الأوكرانية، حيث أثبتت قدرة كبيرة على استهداف الدبابات والتحصينات ومراكز القيادة بكلفة منخفضة مقارنة بالصواريخ الموجهة التقليدية.

وخلال المواجهة الأخيرة في جنوب لبنان، برز استخدام هذا النوع من المسيّرات في تنفيذ عمليات دقيقة ضد مواقع وآليات إسرائيلية، ما دفع الجيش الإسرائيلي إلى اتخاذ إجراءات ميدانية جديدة لمحاولة الحد من فعاليتها، بينها تركيب شباك حماية فوق الآليات وتعديل أنماط انتشار الجنود والتحركات العسكرية قرب الحدود.

ويرى مراقبون أن التطور المتسارع في هذا النوع من الأسلحة يعكس انتقال الحروب الحديثة من الاعتماد على التفوق العسكري التقليدي إلى نماذج أكثر مرونة تعتمد على التكنولوجيا منخفضة الكلفة والاستنزاف الذكي.

المصدر : قدس نت

قد يعجبك ايضا