عراقجي.. “مهندس التوازن” يقود الدبلوماسية الإيرانية وسط أمواج التحولات الكبرى
تقرير | وكالة الصحافة اليمنية| عامر محمد الفايق
منذ فجر الثورة الإسلامية في ايران عام 1979، لم تكن وزارة الخارجية الإيرانية مجرد جهاز لإدارة العلاقات الدولية، بل تحولت إلى خط الدفاع الأول وميدان الاشتباك السياسي الأبرز لحماية كيان الجمهورية الاسلامية وتأمين مصالحها الاستراتيجية.
وعلى مدار عقود من التفاوض حول البرنامج النووي والعزلة الدولية، والحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران ، كانت ولازالت هذه الوزارة هي القناة التي تحاول من خلالها طهران موازنة طموحاتها مع واقعية للبقاء في نظام عالمي معقد، لتبقى دائماً في صدارة “وزارات السيادة” الإيرانية، جنباً إلى جنب مع المؤسستين العسكرية والاستخباراتية.
خارجية الثورة.. القوة الناعمة في حقل ألغام “السيادة”
وفي هذه المرحلة التاريخية المفصلية التي تمر بها إيران، يبرز اسم الدكتور عباس عراقجي كواحد من أكثر الشخصيات تأثيراً في رسم مسار البلاد. عراقجي، الذي صعد في أروقة الخارجية بصفته دبلوماسياً محترفاً، لم يكن وصوله لمنصب الوزير وليد الصدفة، بل جاء نتاج مسيرة أكاديمية ومهنية حافلة بدأت بحصوله على الدكتوراه من بريطانيا، وتدرجه في مناصب دبلوماسية حساسة كسفير في فنلندا واليابان، وصولاً إلى كونه العقل التقني والمفاوض الصلب في الاتفاق النووي لعام 2015.
عباس عراقجي.. “التقني” الذي روّض أمواج الدبلوماسية الوعرة
يدير عراقجي اليوم دفة المفاوضات مع الغرب والولايات المتحدة بعقلية “الصبر الاستراتيجي”، مستنداً إلى مبدأ “المفاوضات غير المباشرة”. هذا النهج الذي تتبعه طهران ليس مجرد تكتيك سياسي، بل هو جزء من عقيدة سياسية وأيديولوجية راسخة ترى في الجلوس المباشر مع واشنطن اعترافاً بـ”الهيمنة” وتنازلاً عن كرامة الثورة. ومن هنا، يبرع عراقجي في استخدام الوسطاء الإقليميين لنقل الرسائل، محققاً بذلك مكاسب سياسية دون تقديم صورة “الخضوع” أمام الداخل والخارج.
إدارة الظلال.. كيف يُفاوض عراقجي الغرب بعيون “قائد الثورة”
أما عن مصدر القرار، فإن تحركات عراقجي محكومة بهيكلية دقيقة؛ فهو ينفذ رؤية الحكومة بقيادة الرئيس مسعود بزشكيان، لكن خيوط اللعبة الكبرى تظل مرتبطة بـ”المجلس الأعلى للأمن القومي” وتحت إشراف مباشر من القيادة العليا قائد الثورة”.
ورغم التقارير والتكهنات التي تتناول الأدوار المستقبلية في هرم السلطة، يظل عراقجي ملتزماً بالثوابت التي يقررها النظام، مما يجعله يحظى بثقة مزدوجة من التيارين الإصلاحي والمحافظ على حد سواء.
دبلوماسية الردع.. كيف يملأ عراقجي الفراغ بين “الميدان” و”الطاولة”؟
وعلى الصعيد الميداني، يكتسب موقع وزير الخارجية أهمية استثنائية في أعقاب الحرب الامريكية والاسرائيلية على ايران والاحداث التي شهدتها المنطقة واغتيال عدد من القيادات الإيرانية الكبرى. هنا، يبرز موقع عراقجي “أفقياً وعمودياً” كحلقة وصل لا غنى عنها؛ فعلى المستوى العمودي، بات يمثل صمام الأمان الذي يترجم قوة الردع العسكرية إلى مكاسب سياسية، بينما أفقياً، تحول إلى المحرك الرئيسي لـ”دبلوماسية الردع” التي تهدف إلى منع انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة مع الحفاظ على نفوذ طهران الإقليمي.
إن عباس عراقجي اليوم يتجاوز دوره كوزير خارجية تقليدي؛ إنه “مهندس التوازن” في لحظة هي الأصعب في تاريخ الجمهورية الإسلامية، حيث تقع على عاتقه مهمة حماية الأمن القومي الإيراني عبر ممرات الدبلوماسية والمفاوضات الوعرة، في وقت تبدو فيه استمرار خيارات الحرب والسلام أدق من أي وقت مضى.