المصدر الأول لاخبار اليمن

فاتورة العار.. ثروات مسلمة تغذي آلة الحرب الإسرائيلية!

تحليل | وكالة الصحافة اليمنية

تكشف قراءة المعطيات الراهنة للاقتصاد الجيوسياسي أن المحددات الحاسمة لأي رؤية بنيوية متكاملة تقوم على الجمع بين السيادة الوطنية وبناء الاقتصاد المقاوم والتخلي عن التبعية المزمنة للمراكز الخارجية، حيث يتبدى الوعي بأهمية المقاطعة الاقتصادية كأداة مواجهة استراتيجية، بالنظر إلى أن العالم الإسلامي الذي يضم اليوم قرابة ملياري نسمة يمثل ثقلاً استهلاكياً ضخماً يتجاوز حجم إنفاقه السنوي على الأغذية والملابس والمنتجات الحلال حاجز التريليوني دولار وفقاً لتقرير واقع الاقتصاد الإسلامي العالمي، وهي كتلة نقدية ضخمة تتدفق مباشرة لتعزيز الاقتصاد الغربي والأمريكي.

وتؤكد الشواهد التاريخية الجدوى العالية لتفعيل هذا السلاح، فخلال مقاطعة عام 2002 إبان الانتفاضة الفلسطينية الثانية، تكبدت بعض الشركات الأمريكية الكبرى في الشرق الأوسط خسائر في مبيعاتها تراوحت بين 25% و40%، وهو السيناريو الذي تكرر بوضوح في مقاطعة عامي 2023 و2024 عقب أحداث أكتوبر، حيث سجلت السلاسل الغذائية والمقاهي الأمريكية تراجعاً حاداً في أرباح وكالاتها الإقليمية بنسب تجاوزت 30%، مما اضطر الشركات الأم لتعديل توقعات نموها السنوي تحت وطأة تأثير الشرق الأوسط.

وارتباطاً بجدوى هذه الأداة، يتسع التحليل ليشمل المسؤولية الدينية والمالية كحائط صد يمنع استنزاف الثروات وحرب الأرصدة التي تشنها القوى الاستعمارية، إذ تؤكد التقديرات الاقتصادية أن حجم الاستثمارات والأرصدة السيادية والخاصة العربية والإسلامية المكدسة في الولايات المتحدة والغرب تتجاوز عدة تريليونات من الدولارات، مما يجعلها عرضة للتحكم والمصادرة المباشرة لحرمان الشعوب من سيولتها الوطنية

وتبرز الذاكرة القريبة شواهد صارخة على هذا التعسف، ففي عام 2021 جمدت الولايات المتحدة قرابة 7 مليارات دولار من أموال البنك المركزي الأفغاني عقب انسحابها مما تسبب في أزمة إنسانية خانقة.
وعلى ذات النحو واجه اليمن أزمة حادة جراء نقل وظائف البنك المركزي والتحكم الخارجي بعائدات النفط والغاز وتجميد الأرصدة الخارجية، مما أفقد الدولة القدرة على استقرار العملة الوطنية لتتدهور قيمتها بشكل متسارع من 215 ريالاً للدولار عام 2015 إلى مستويات قياسية غير مسبوقة في المحافظات الواقعة تحت سيطرة التحالف ومجلس العليمي.

وتتكامل هذه الصورة القاتمة لواقع الأمة الإسلامية عند رصد الآلية النظامية لنهب مواردها الخام لصالح أمريكا وإسرائيل ودول الغرب بأبخس الأثمان ثم إعادة تصديرها كمنتجات مصنعة بأضعاف قيمتها، فتتجلى أبشع صور هذا الاستغلال في القارة الأفريقية المسلمة حيث تنهب فرنسا وأمريكا ثروات النيجر من اليورانيوم لتوليد ثلث الكهرباء في أوروبا بينما تعيش النيجر في ظلام دامس وبطالة تتجاوز 40%، وتتكرر المأساة في سيراليون التي تعد من أغنى دول العالم بمناجم الماس غير أن مبيعات هذه الثروة تذهب للاحتكارات الغربية والشركات التابعة للعدو الصهيوني التي تسيطر على أكثر من 35% من تجارة الأحجار الكريمة عالمياً،د.

وفي ذات الوقت يمتد النهب ليشمل النفط والغاز العربي حيث تستحوذ الشركات الغربية الكبرى مثل إكسون موبيل وتوتال وبي بي على حصص أرباح ونفوذ تشغيلي هائل يحرم الشعوب من عوائد التنمية الحقيقية ويجعل اقتصادياتها رهينة لأسواق المال في نيويورك ولندن.

وعلاوة على الاستنزاف المالي والسياسي، تبرز خطورة الاستهلاك غير المنضبط للواردات كمهدد مباشر للأمن الصحي والبدني للمجتمع، إذ لم يعد الاستيراد العشوائي مجرد خسارة مالية بل غدا خطراً يهدد السلامة النفسية والجسدية جراء إغراق الأسواق بمنتجات رديئة ومعدلة جينياً، وتشير بيانات وزارة الصحة في صنعاء إلى قفزات واضحة في معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة والأورام حيث يتم تسجيل آلاف الحالات الجديدة المصابة بالسرطان سنوياً جراء المبيدات السامة المحظورة والمواد الكيميائية والمضافات الغذائية المستوردة، وينتج عن هذا التدهور الصحي استنزاف ملايين الدولارات سنوياً من العملة الصعبة لتغطية الفاتورة العلاجية الشرهة للأدوية المستوردة، وهي أموال كان يمكن توجيهها للتنمية لو تم فرض معايير جودة صارمة على الواردات الغذائية ابتداء.

وتأسيساً على المخاطر الإنسانية والصحية السابقة، تبرز قضية تحقيق الأمن الغذائي كعنصر جوهري لا ينفصم عن الأمن القومي، نظراً لأن التبعية الغذائية للخارج هي من أخطر أوراق الضغط السياسية والعسكرية التي تمارس ضد الشعوب الحرة.

وتكشف مؤشرات الفجوة الغذائية في اليمن عن واقع مقلق حيث تستورد البلاد قرابة 90% إلى 95% من احتياجاتها من القمح والدقيق من أسواق روسيا وأوكرانيا واستراليا بمعدل استهلاك سنوي يقارب 3.5 إلى 4 ملايين طن في حين لا يغطي الإنتاج المحلي سوى نسبة ضئيلة تتراوح بين 5% و10%، ويشكل هذا الارتهان خطراً بنيوياً يماثل نموذج السودان الذي واجه عقب اندلاع النزاع المسلح عام 2023 مجاعة حادة هددت أكثر من 18 مليون شخص بالأمن الغذائي الشديد نتيجة غياب البنية التحتية الزراعية والاعتماد الكلي على سلاسل الإمداد الخارجية والمساعدات رغم امتلاك البلاد قرابة 175 مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة.

وفي المقابل، يطرح هذا الواقع الصعب خيار المقاطعة كحافز حيوي لتنمية الإنتاج المحلي والانتقال من الموقف السلبي المتمثل في الامتناع إلى الموقف الإيجابي المتمثل في البديل والإنتاج، إذ يمتلك اليمن فرصاً واعدة للاكتفاء الذاتي الزراعي بفضل التنوع المناخي الفريد والمساحات الشاسعة في سهول تهامة والجوف ومأرب، وإن إنتاج البدائل المحلية لأبسط السلع الاستهلاكية كالعصائر والبسكويت ومواد التنظيف كفيل بتوفير مئات الملايين من الدولارات سنوياً من النقد الأجنبي المهدور، ويتطلب هذا التحول تكامل القطاعات الاقتصادية وتفعيل الجمعيات التنموية والاستثمارية في القرى والعزل لضمان تدوير أموال المستهلكين وتحويلها إلى بيئة الإنتاج المحلي التي تستوعب المزارع والمصنع الصغير واليد العاملة الوطنية.

وبناء على ما تقدم، فإن قراءة آثار السياسات الاقتصادية الخاطئة والارتهان للخارج تكشف عمق الأزمة التي خلفتها الأنظمة السابقة بالتركيز على سياسات الريوع والاستيراد وتهميش الإنتاج الحقيقي، وتتجلى هذه الآثار في تضخم الفاتورة الاستيرادية لسلع ترفيهية وهامشية كالأحجار والصلصة والحلويات من أكثر من 50 دولة مما تسبب في استنزاف مستمر للعملة الصعبة، ورافقه ارتفاع معدلات البطالة لتتجاوز حاجز 60% بين الشباب جراء غياب المشاريع الإنتاجية والصناعات التحويلية، وأدى هذا التخبط بدوره إلى تآكل الدخل الحقيقي للمواطن وانخفاض متوسط دخل الأسرة بشكل حاد مما جعل استمرار نمط الاستهلاك الحالي انتحاراً اقتصادياً واجتماعياً معلناً.

وختاماً، يخلص التحليل الاستراتيجي الشامل إلى أن الانتقال نحو مسار النهضة الاقتصادية الحقيقية يستدعي كسر القوالب التقليدية عبر اعتماد نموذج الدورة المغلقة الذي يستبدل معادلة استيراد واستهلاك بمعادلة إنتاج واستهلاك، ويتحقق ذلك عبر توجيه رأس المال الوطني للاستثمار في الداخل وتوليد إنتاج محلي وزراعي يفضي إلى تشغيل اليد العاملة المحلية وخلق قدرة شرائية مستدامة تدعم الاستهلاك المحلي، وتتطلب هذه الدورة حماية جمركية صارمة للمنتج المحلي ومنع استيراد السلع ذات البديل الوطني مع إلزام القطاع الخاص بضخ رؤوس أمواله داخلياً.
إن النتيجة الحتمية لهذا المسار هي تحريك عجلة الاقتصاد وتدوير الكتلة النقدية محلياً بنسبة 100%، وهو السبيل الوحيد الذي اتبعته القوى الدولية الناهضة عبر التاريخ لتحقيق استقلالها السياسي والسيادي الكامل ونيل رفعتها وصون كرامة أبنائها.

قد يعجبك ايضا