عدن بين جحيم الحر وطوفان الغضب.. هل تدفع معاناة المواطنين نحو إسقاط الحكومة الموالية للسعودية؟
تقرير| وكالة الصحافة اليمنية
تشهد مدينة عدن والمحافظات الجنوبية والشرقية الخاضعة لسلطة الحكومة الموالية للسعودية، واحدة من أسوأ الأزمات الخدمية والإنسانية منذ سنوات، في ظل انهيار شبه كامل لخدمة الكهرباء وارتفاع غير مسبوق لدرجات الحرارة، ما دفع آلاف المواطنين إلى البحث عن أي متنفس خارج منازلهم التي تحولت إلى ما يشبه الأفران المغلقة.
ومع تجاوز ساعات انقطاع التيار الكهربائي في بعض المناطق 16 إلى 20 ساعة يومياً، لم يعد سكان عدن يواجهون مجرد أزمة خدمية عابرة، بل واقعاً إنسانياً قاسياً يهدد حياتهم وصحتهم بشكل يومي، خصوصاً مع استمرار موجة الحر والرطوبة المرتفعة التي تضرب المدينة الساحلية.

الشوارع ملاذ الفقراء
في مشاهد باتت تتكرر كل ليلة، تكتظ الأرصفة والحدائق العامة وسواحل البحر بعائلات بأكملها هرباً من حرارة المنازل الخانقة، أطفال ونساء ومسنون يفترشون الأرض في محاولة للحصول على نسمة هواء تخفف عنهم معاناة ساعات طويلة من الظلام وانعدام وسائل التبريد.
كما تداول ناشطون صوراً مؤثرة لعائلات لجأت إلى المراكز التجارية المكيفة بعيداً عن رفاه لتسوق أو الترفيه، بل بحثاً عن ملاذ مؤقت من الحر الشديد، في مشهد يلخص حجم التدهور الذي وصلت إليه الأوضاع المعيشية والخدمية في المدينة.

أزمة تتجاوز الكهرباء
انعكست أزمة الكهرباء بصورة خطيرة على مختلف مناحي الحياة، حيث تواجه المستشفيات والمرافق الصحية في عدن ومناطق جنوب وشرق اليمن صعوبات متزايدة في تشغيل الأجهزة الطبية وأقسام العناية المركزة ومراكز الغسيل الكلوي، وسط مخاوف من تفاقم الوضع الصحي للمرضى.
كما امتدت تداعيات الأزمة إلى قطاع المياه نتيجة توقف العديد من المضخات المرتبطة بالطاقة الكهربائية، الأمر الذي فاقم من معاناة السكان الذين باتوا يواجهون أزمات متراكمة في الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية الأخرى.
وسجلت الأحياء السكنية في عدن وغيرها حالات إغماء وإجهاد حراري بين المواطنين، خصوصاً كبار السن و المصابين بالأمراض المزمنة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انتشار الأمراض المرتبطة بالحرارة وانعدام الظروف الصحية المناسبة.
غضب شعبي يتصاعد

وفي مقابل هذا الواقع المأساوي، تتزايد حالة السخط الشعبي في الشارع مع استمرار التدهور الخدمي والاقتصادي، وسط اتهامات متبادلة بالفساد وسوء الإدارة بين مكونات الحكومة الموالية للسعودية، بينما يبقى المواطن الطرف الأكثر تضرراً من الأزمات المتلاحقة.
ويرى مراقبون أن استمرار الانقطاعات الطويلة للكهرباء وتراجع الخدمات الأساسية، إلى جانب الانهيار الاقتصادي وتراجع قيمة العملة المحلية، يفاقم حالة الاحتقان الشعبي ويزيد من مستوى الغضب تجاه الجهات المسؤولة عن إدارة الملف الخدمي.
سقوط 3 قتلى وجرحى برصاص السلطات في عدن وسيئون
وفي مستجدات اليوم الثلاثاء، قتل وأُصيب 3 محتجين برصاص القوات الموالية للسعودية خلال التظاهرات الشعبية الغاضبة المطالبة بتحسين خدمة الكهرباء، والمنددة بتدهور الخدمات الأساسية في مدينتي عدن وسيئون، خلال الساعات الماضية.

مصادر حقوقية ومحلية متطابقة، أكدت أن تلك القوات اتجهت لفض التظاهرات الاحتجاجية في عدن وسيئون، ما إلى سقوط قتيلين وإصابة ثالث بجروح حرجة فضلا عن تنفيذ حملة اعتقالات واسعة طالت المشاركين في الاحتجاجات.
وأفادت المصادر أن الشاب “نسيم عبدالله علي جاحور” توفي متأثرا بإصابة بالغة في الرأس أمس في مدينة عدن، خلال مشاركته في التظاهرة المطالبة بالكهرباء في جولة دار سعد.
وفي سياق متصل، لقي الشاب “مناف صالح باسبعين الصيعري” مصرعه، وأصيب شقيقه “حامد” بجروح بالغة مساء أمس الاثنين، في مدينة سيئون برصاص قوات “الطوارئ” التابعة للسعودية، وذكرت مصادر محلية أن الشقيقين تعرضا لإطلاق نار مباشر أثناء تفريق التظاهرات وسط سيئون، مشيرة إلى أن المصاب “حامد” نقل إثر الحادثة إلى العناية المركزة بأحد المستشفيات وهو في حالة حرجة.
كما شنت قوات “الطوارئ” في سيئون حملة مداهمات واختطافات واسعة داخل الأحياء السكنية وأزقة المدينة طالت العشرات من المحتجين المنددين بانهيار منظومة الكهرباء، بواسطة المدرعات والاطقم العسكرية، التي قوبلت باستنكار شعبي.
جدل واسع حول مستقبل الكهرباء
وتزامناً مع الأزمة الحالية، تتداول أوساط سياسية واقتصادية معلومات عن توجهات لإعادة هيكلة قطاع الكهرباء وتقليص الدعم الحكومي عنه ضمن إصلاحات اقتصادية مقترحة، وهي خطوات تثير مخاوف واسعة لدى المواطنين من ارتفاع الأعباء المعيشية في ظل أوضاع اقتصادية متدهورة أصلاً.
وكشفت مصادر مطلعة في عدن، مطلع يونيو الجاري، أن “حكومة” شائع الزنداني، تتجه خلال الأيام القليلة القادمة لتنفيذ كارثة اقتصادية جديدة بحق الشعب في مناطق جنوب وشرق اليمن، مؤكدة أن الحكومة وافقت في إطار تفاهماتها مع صندوق النقد الدولي على تنفيذ إجراءات لبيع قطاع الكهرباء للقطاع الخاص، عبر التخلي التدريجي عن دعم خدمات الكهرباء وصولا إلى إلغاء الدعم الحكومي بشكل كامل”.
وأوضحت المصادر أن الحكومة الموالية للسعودية قد تحصل على قرض بقيمة مليار دولار من صندوق النقد الدولي شريطة تنفيذ هذا الاتفاق.
ويؤكد خبراء اقتصاديون أن أي إصلاحات أو تغييرات في قطاع الكهرباء يجب أن تسبقها معالجة حقيقية للاختلالات القائمة وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد وتحسين كفاءة الإنتاج والتوزيع، بما يضمن عدم تحميل المواطنين أعباء إضافية.
هل يقترب الانفجار الشعبي؟
ومع اتساع رقعة المعاناة وتزايد الشعور بالإحباط بين المواطنين، تتجه الأنظار إلى ردود الفعل الشعبية المحتملة خلال الفترة المقبلة، فحالة الاحتقان المتصاعدة في الشارع، والمطالب المتزايدة بتحسين الخدمات ومحاسبة المسؤولين عن التدهور القائم، تعكس حجم الأزمة التي تعيشها المحافظات الجنوبية والشرقية.
وبين حرارة الصيف اللاهبة وظلام المنازل وانهيار الخدمات الأساسية، يبقى المواطن في عدن ومناطق جنوب وشرق اليمن عالقاً بين أزمات متلاحقة، منتظراً حلولاً حقيقية تنهي سنوات المعاناة، فيما تظل الأسئلة مفتوحة حول قدرة السلطات الموغلة في الفساد والعبث بمقدرات والسيادة الوطنية على احتواء الغضب الشعبي المتنامي قبل أن يتحول إلى طوفان غضب يُنذر بثورة شعبية غير مسبوقة.
ومع تصاعد الاحتقان الشعبي وارتفاع أصوات المطالبين بالمحاسبة والتغيير، يبرز سؤال بات يتردد بقوة في الشارع العدني: هل أصبح الغضب المتراكم قادراً على إسقاط آخر أوراق الفشل والفساد، أم أن معاناة المواطنين ستظل رهينة الوعود والحلول المؤجلة؟
بين جحيم الحر وانقطاع الكهرباء وانسداد الأفق المعيشي، تبدو عدن اليوم أمام لحظة فارقة، حيث يلتقي الوجع الإنساني بالغضب الشعبي في مشهد ينذر بتحولات قد تتجاوز حدود الأزمة الخدمية إلى ما هو أبعد من ذلك، (طوفان غضب وثورة شعبية غير مسبوقة).