المصدر الأول لاخبار اليمن

كان يتسلق الجبال ليطعم أسرته.. النهاية الموجعة لـ”سبايدر مان اليمن”

كتبها/ عبدالكريم مطهر مفضل/ وكالة الصحافة اليمنية

لم يكن القعقاع بن عنتر نجماً رياضياً يتصدر الشاشات، ولا صاحب عقود رعاية أو جوائز مالية. كان رجلاً بسيطاً من محافظة الضالع، يحمل جسداً استثنائياً وروحاً اعتادت مصادقة الخطر، ويبحث بين الصخور الحادة والمنحدرات السحيقة عن فرصة حياة لا أكثر.

عرفه اليمنيون والعرب باسم “الجني”، فيما أطلقت عليه وسائل إعلام عربية وأجنبية لقب ” سبايدر مان اليمن” بسبب قدرته المذهلة على تسلق المنحدرات الصخرية وفوهات البراكين دون حبال أو أدوات أمان، في مشاهد بدت للكثيرين أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع.

لكن تلك الموهبة النادرة التي أدهشت الملايين انتهت، أمس الجمعة، بشكل مأساوي داخل المكان الذي صنع شهرته. سقط القعقاع عنتر، من صخرة متدنية في فوهة بركان حرضة بمديرية دمت، ليرحل الرجل الذي قضى سنوات يتحدى الموت، قبل أن يخطفه خطأ واحد لم يمنحه فرصة أخرى.

على مدى سنوات، كان القعقاع يتنقل بين القمم والمنحدرات الوعرة، يؤدي حركات بهلوانية يعجز عن تنفيذها كثير من محترفي التسلق حول العالم. كان يقف على حواف الصخور الشاهقة، ويتحرك فوق مرتفعات يكفي فيها انزلاق بسيط لإنهاء حياة إنسان في لحظة.

ومع انتشار مقاطع الفيديو الخاصة به، بدأ الناس يطلبون منه تحديات جديدة. كان بعضهم يراسله قائلاً: “إذا استطعت الوصول إلى تلك الصخرة فاكتب اسمي عليها”. فيغامر القعقاع بحياته ليصل إلى أماكن يكاد الوصول إليها يكون مستحيلاً، ثم يترك اسماً أو عبارة فوق صخرة شاهقة، قبل أن يعود منتصراً بابتسامته المعتادة ومبلغ زهيد لإشباع بطون أسرته.

 

 

بالنسبة للمتابعين كانت تلك المشاهد ترفيهاً وإثارة. أما بالنسبة له فكانت وسيلة للعيش.

فخلف كل مقطع مصور، كانت هناك حكاية رجل يحاول تأمين قوت يومه. كان كل صعود يعني بضعة ريالات يعود بها إلى منزله، يشتري بها الطعام ويعين أسرته على مواجهة ظروف اقتصادية قاسية. لم يكن يتسلق الجبال بحثاً عن الشهرة، بل بحثاً عن فرصة للبقاء.

وفي أحد مقاطع الفيديو التي أعيد تداولها بعد وفاته، ظهر القعقاع بصوت مثقل بالمعاناة، يشكو الفقر المدقع ويعترف بأنه يخاطر بحياته من أجل لقمة العيش. تحدث بصراحة عن رغبته في الحصول على عمل بديل يجنبه هذه المغامرات القاتلة، وناشد أن يجد من يلتفت إلى معاناته. لكن المناشدة مرت بصمت، كما مرت سنوات طويلة من حياته بعيداً عن أي اهتمام حقيقي.

 

 

كان يصعد الجبال ليكتب أسماء الآخرين فوق الصخور، بينما كانت قصته هو تُكتب بصمت على كل منحدر يتسلقه.

قصة إنسان واجه قسوة الظروف بالحجر والعرق، وحول أخطر الأماكن إلى مصدر رزق متواضع. قصة موهبة رياضية استثنائية ربما لو وُلدت في بلد يملك مؤسسات ترعى المواهب وتحمي أصحابها، لوجدت طريقها إلى العالمية، بدلاً من أن تتحول إلى مشهد يومي للتصوير والمشاهدة.

لم يحصل القعقاع على رعاية رياضية، ولا على أبسط معدات الحماية التي قد تنقذ حياته. ظل يواجه الجبال وحيداً، مستنداً إلى شجاعة نادرة وقدرة جسدية خارقة، حتى جاء السقوط الأخير.

رحل “سبايدر مان اليمن”، لكن رحيله ترك سؤالاً مؤلماً يتردد بين اليمنيين: كم من المواهب تضيع بصمت لأن أصحابها لم يجدوا من يمد لهم يد العون قبل فوات الأوان؟ خصوصاً في بلاد اليمن، التي يعاني أهلها ظروف صعبة بسبب الحرب والحصار المفروض على البلاد منذ عام 2015.

هكذا انتهت رحلة الرجل الذي كان يقترب من السماء في كل مرة يتسلق فيها جبلاً، بينما كان يبحث على الأرض عن فرصة حياة كريمة لم يجدها.

 

 

 

قد يعجبك ايضا