المصدر الأول لاخبار اليمن

الاستراتيجية العسكرية القادمة لقوات صنعاء لانتزاع الثروات المنهوبة

معركة السيادة والتحرير

تحليل | وكالة الصحافة اليمنية

في مشهد يعكس تحولاً نوعياً في الخطاب السياسي والعسكري لقوات صنعاء، جاء بيان قوات التعبئة العامة الصادر اليوم، ليشكل محطة فارقة في مسار المواجهة مع قوى التحالف.
إذ لم يقتصر البيان على الجانب الاستعراضي للقدرات العسكرية، بل تجاوزه إلى رسم ملامح استراتيجية شاملة تدمج بين البعد الديني والوطني والعسكري في سياق متكامل، يعكس نضجاً في إدارة الصراع ووعياً عميقاً بطبيعة المرحلة التي تمر بها اليمن بعد أكثر من عقد من العدوان والحصار.

يحمل توقيت إصدار البيان – مع مطلع العام الهجري الجديد 1448هـ – دلالات رمزية بالغة الأهمية، إذ جاء استجابة لدعوة قائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي التي شددت على خطورة المرحلة وما تشهده من تصعيد في الاستهداف العدائي الشامل.
وهو ما يضع البيان في سياق استراتيجي أوسع يتجاوز كونه مجرد موقف عابر إلى كونه خريطة طريق لمرحلة مقبلة تحمل في طياتها ملامح تحول كبير في مسار المعركة.
إذ إن الربط بين البعدين الديني والتاريخي يمنح البيان شرعية إضافية في الداخل اليمني ويعزز قدرته على حشد طاقات الشعب في مواجهة ما وصفه بـ”المؤامرات التي تستهدف اليمن أرضاً وإنساناً وسيادة واستقلالاً”.

وأول ما يلفت الانتباه في بنية البيان هو الانتقال من الخطاب الدفاعي البحت إلى خطاب هجومي استراتيجي واضح المعالم، إذ لم يعد الحديث مقتصراً على “مواجهة العدوان” أو “صد الهجمات”، بل تجاوز ذلك إلى التأكيد على الجاهزية لـ”خوض معركة التحرير الشاملة” و”طرد المحتلين من كل شبر” و”استعادة الثروات المنهوبة”.
وهو ما يشير إلى نضج في الرؤية الاستراتيجية وتطور في أهداف المعركة من مرحلة الصمود والمواجهة إلى مرحلة التحرير واستعادة السيادة الكاملة، ويعكس ذلك إدراكاً عميقاً بأن استمرار حالة الجمود في المشهد العسكري والسياسي لا يخدم مصالح الشعب اليمني، وأن التحرك الحاسم هو السبيل الوحيد لكسر الجمود وفرض معادلات جديدة على الأرض، خاصة بعد أن أثبتت السنوات الماضية فشل المسارات التفاوضية في تحقيق أي اختراق جوهري على صعيد إنهاء العدوان أو رفع الحصار أو استعادة الحقوق الوطنية.

كما أن الإعلان عن وصول عدد المنتسبين إلى قوات التعبئة إلى “مئات الآلاف” وتشكيل “مئات الألوية العسكرية التعبوية”، ثم التأكيد على استمرار التدريب والتشكيل بوتيرة متزايدة، يحمل رسائل متعددة الأوجه؛ فهو من جهة يؤكد على قدرة الدولة الجديدة – بأبعادها العسكرية والشعبية – على حشد طاقات بشرية هائلة تمثل رصيداً استراتيجياً لا يستهان به في أي مواجهة قادمة، ومن جهة أخرى يكشف عن عمق العملية التنظيمية والتأهيلية التي تمت خلال السنوات الماضية، وبناء هيكل عسكري منظم ومؤهل بقدرات قتالية وتدريبية عالية، وهي رسالة ضمنية للخصوم بأن أي تصعيد أو استمرار في الحصار سيواجه بقوة متزايدة وبإمكانيات بشرية ضخمة قادرة على تحقيق اختراقات نوعية، خاصة أن البيان ربط بين هذا الإعداد العسكري المستمر ودورات “طوفان الأقصى” التي تمثل منهجاً تدريبياً شاملاً يعزز القدرات الدفاعية والهجومية على حد سواء.

وفي البعد الإقليمي والدولي، جاء الموقف من القضية الفلسطينية ليعكس استمرارية النهج اليمني في ربط معركته الداخلية بالصراع الأوسع مع المشروع الصهيوني والأمريكي.
حيث أكد البيان على أن “القضية الفلسطينية تظل البوصلة” وأن “كيان العدو الإسرائيلي يجب أن يعي أننا لن نقبل بتجزئة المعركة”.
وهو موقف يندرج في سياق نظرية “وحدة الساحات” التي تتبناها القيادة اليمنية، والتي ترى أن الصراع مع قوى الاستكبار العالمي هو صراع واحد متكامل الأبعاد مهما تعددت مسارحه الجغرافية.

ومن خلال هذا الربط، تسعى اليمن إلى تعزيز تحالفاتها الاستراتيجية مع قوى المقاومة في المنطقة وبناء جبهة موحدة تزيد من تعقيد المشهد أمام الأعداء وتحد من قدرتهم على عزل أي جبهة عن الأخرى، كما أن الإشادة بالانتصارات الإيرانية في مواجهة أمريكا وإسرائيل ليست مجرد مجاملة دبلوماسية، بل تأكيد على التنسيق الاستراتيجي العميق ورؤية موحدة للصراع مع المشروع الغربي الصهيوني في المنطقة، وهو ما يضع اليمن في موقع لاعب محوري في معادلات القوة الإقليمية وليس مجرد طرف محلي في صراع محدود.

وفي تصريح خاص لوكالة الصحافة اليمنية، أكد قائد كتائب الوهبي اللواء بكيل صالح الوهبي التأييد المطلق للموجهات والمسارات الاستراتيجية لقائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، في دعوته للتصدي الشامل للتحديات الناتجة عن العدوان والحصار وتطهير البلاد من المحتلين.

وأشار اللواء الوهبي إلى الجاهزية القتالية العالية والاستعداد التام للتحرك استجابة لتوجيهات قائد الثورة، وخوض معركة التحرير الشاملة، وطرد المحتلين من كل شبر في أرض الوطن، واستعادة الثروات المنهوبة.

وبالنظر إلى تصريح اللواء الوهبي التي جاءت متوافقة تماماً مع روح البيان، يمكن استنتاج أن هناك تنسيقاً عالياً بين مختلف المكونات العسكرية والشعبية حول الرؤية الاستراتيجية الموحدة، وهو ما يعكس انضواء جميع القوى تحت قيادة موحدة تقودها الرؤية التي يطرحها قائد الثورة، ويدلل على أن خريطة التحالفات الداخلية في اليمن باتت أكثر تماسكاً واستقراراً مما كانت عليه في السنوات الماضية، وهذا التماسك الداخلي يمثل عاملاً محورياً في أي تحرك عسكري مقبل.
إذ إن وحدة الصف وتحصين الجبهة الداخلية – التي دعا إليها البيان صراحة – هي الركيزة الأساسية لأي عملية تحرير ناجحة، وقد تم إدراج هذه الدعوة في مقدمة الأولويات باعتبارها شرطاً مسبقاً لأي نجاح عسكري أو سياسي في المرحلة المقبلة، خاصة في ظل محاولات العدو المستمرة لاختراق الجبهة الداخلية وإحداث شرخ في النسيج الاجتماعي اليمني من خلال تحريك التكفيريين والمرتزقة كما ورد في دعوة السيد القائد.

إن ما يمكن استخلاصه من مجمل البيان والتصريحات المصاحبة له هو أن اليمن دخلت مرحلة جديدة في صراعها مع تحالف العدوان، تتميز بالجاهزية العالية لخيارات عسكرية واسعة النطاق تتجاوز حدود الردود المحدودة إلى عمليات تحرير استراتيجية تستهدف إنهاء الوجود العسكري للعدوان على الأراضي اليمنية واستعادة الثروات الوطنية.

وفي الوقت نفسه، فإن البيان لا يغلق الباب أمام أي حلول سياسية، لكنه يضع شروطاً جديدة لها تتمثل في الاعتراف بحق الشعب اليمني في السيادة الكاملة والاستفادة من ثرواته، وفي رفع الحصار الشامل، وفي وقف كل أشكال التدخل في الشؤون الداخلية، وهي شروط تمثل تطوراً في الموقف اليمني من الحل السياسي من منطق الدفاع عن الحد الأدنى من الحقوق إلى منطق المطالبة بالحقوق الكاملة والانتقال إلى مرحلة بناء الدولة اليمنية الجديدة على أسس من الهوية الإيمانية والاستقلال الوطني.
وهو ما عبرت عنه دعوة السيد القائد بـ”النهضة الكبرى” التي تستند إلى الهوية الإيمانية كأساس للتحرر والتنمية والكرامة، وهذا البعد الحضاري في الرؤية يضفي على المشروع اليمني طابعاً شمولياً يتجاوز حدود المعركة العسكرية إلى مشروع نهضوي متكامل يسعى لبناء يمن جديد يتمتع بسيادة حقيقية وكرامة واستقلال، ويضع نفسه في موقع القوة المؤثرة في معادلات المنطقة، بعيداً عن أي تبعية أو تدخل خارجي، وهو ما يمثل في جوهره تحولاً جوهرياً في مفهوم الدولة اليمنية ذاتها ودورها في المحيطين الإقليمي والدولي.

قد يعجبك ايضا