المصدر الأول لاخبار اليمن

ماذا لو نفّذت “إسرائيل” عدوانًا جديدًا على اليمن؟

تحليل | وكالة الصحافة اليمنية

تأتي الموجة الأخيرة من التهديدات التي أطلقها مسؤولون في حكومة كيان الإحتلال الإسرائيلي التي يقودها المجرم نتنياهو ضد اليمن في توقيت حساس يعكس أزمة بنيوية عميقة تعيشها المنظومة الأمنية والسياسية للاحتلال .

 إن قراءة التهديدات الصادرة عن ما يسمى وزير الدفاع في كيان الاحتلال “يسرائيل كاتس” وما يسمى وزير الأمن القومي “إيتمار بن غفير” بشأن التهديد بعمليات اغتيالات في اليمن والحديث في الإعلام العبري عن تحديث  الخطط العملياتية لإمكانية استئناف القتال في الساحة اليمنية ، بمعزل عن المتغيرات الراهنة في جبهات لبنان وإيران، تُعد قصوراً تحليلياً؛ فالحديث العبري المكثف عن “الساحة اليمنية” في هذا التوقيت بالذات لا يتحرك كخيار هجومي نابع من فائض قوة، بقدر ما هو محاولة لخلط الأوراق والتغطية على الانتكاسات الاستراتيجية والهزائم الميدانية التي تجرعها الاحتلال في مواجهته الأخيرة مع الجمهورية الإسلامية في إيران وحزب الله في لبنان .

ومن هذا المنطلق، فإن لجوء النخبة الحاكمة في كيان الاحتلال إلى لغة “التصفيات الجسدية” واجترار الخطط العملياتية عبر التسريبات الإعلامية، لا يمكن فصله عن كونه عَرَضاً بنيوياً لأزمة “تآكل الردع المركب”؛ حيث يحاول الكيان عبر هذا الضجيج الإعلامي إدارة جبهته الداخلية المأزومة، وصناعة نصر متخيل يغطي على عجزه عن حسم الجبهات المتاخمة، وهو ما يفرز موضوعياً ما يمكن تسميته بـ “تهديدات العاجز” التي توظف البروباغندا للتغطية على إخفاق استراتيجي، بدلاً من التأسيس لفاعلية عسكرية حقيقية على الأرض.

 

معضلة الردع المقابل وتحولات الميدان

وارتباطاً بـمظاهر هذا العجز “الإسرائيلي”، فإن أي تفكير في تحويل التهديد الشفهي إلى فعل عسكري واسع النطاق ضد اليمن، يصطدم بتغير راديكالي في ميزان القوة والحروب غير المتكافئة، وهو الواقع الذي كرسته معارك “طوفان الأقصى” وجولات الإسناد الاستراتيجي لغزة ولبنان وإيران، والتي نقلت الكلفة العسكرية للمغامرة إلى مستويات فوق قدرة الاحتلال على الاحتمال، وذلك عبر مسارين جوهريين:

الاول  اختراق العمق الاستراتيجي للاحتلال: حيث نجحت صنعاء في إسقاط نظرية “الأمن المعتمد على المسافة”، وتحويل عواصم وموانئ الاحتلال الحيوية إلى مربعات ساقطة عسكرياً تحت تأثير الصواريخ الباليستية الفرط صوتية والطائرات المسيرة ، والتي وصلت إلى عمق كيان الاحتلال متجاوزةً كافة طبقات الدفاع الجوي الإقليمية والدولية.

الثاني كلفة الاستنزاف وتشتيت القدرات: إذ يدرك المستوى العسكري في “تل أبيب” أن اليمن يمتلك حصانة جغرافية وبنية عسكرية موزعة وشديدة التعقيد، مما يجعل من أي حملة جوية جهداً عديم الجدوى الاستراتيجية، بل ومستنزِفاً لمخزونات الدفاع الجوي “الإسرائيلية” الثمينة أمام ضربات يمنية ارتدادية ستكون أشد كلفة وأعمق أثراً على الجبهة الداخلية المنهكة اقتصادياً واجتماعياً.

 

الخنق الجيواقتصادي ومعادلة الحظر البحري

ولا تتوقف حدود الردع اليمني عند التموضع العسكري الدفاعي، بل تمتد لتتقاطع مع القدرة على خنق الشرايين الجيوسياسية للاقتصاد العالمي والمحلي للاحتلال؛ فالجغرافيا الحاكمة لليمن تمنح صنعاء سلطة إدارة الصراع بأدوات “الحرب الشاملة” في حال إقدام كيان الإحتلال على أي حماقة عسكرية، وتتمثل هذه الأدوات في حدين رئيسيين هما :

المعادلة البحرية الصفرية: إن العودة إلى فرض حظر صارم ومطبق على الملاحة “الإسرائيلية” أو السفن المتجهة إلى موانئ الاحتلال ستكون الخطوة التلقائية الأولى، مما يعني شللاً تاماً للحركة التجارية عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وإعادة فرض حصار اقتصادي خانق على المنافذ البحرية الحيوية للكيان مثل ميناء إيلات.

استهداف “الرعاية الهيكلية” الأمريكية: وحيث إن الصياغة اليمنية للمواجهة لا تفصل بين الكيان الوظيفي والراعي الاستراتيجي المتمثل في الولايات المتحدة، فإن بنك الأهداف اليمني لن يقتصر على مصالح الكيان، بل سيتسع ليتكامل مع ضرب القواعد والأصول العسكرية والتجارية الأمريكية في المنطقة، وهو ما لا تريده واشنطن .

 

اليمن كصندوق اقتراع لنتنياهو

وعلى الرغم من وضوح هذه الكلفة الاقتصادية والعسكرية الفادحة، إلا أن القراءة التحليلية المعمقة تفرض عدم استبعاد إقدام حكومة الاحتلال على فتح جبهة مع اليمن، وذلك ليس بناءً على حسابات الربح والخسارة العسكرية، وإنما مدفوعاً بالدوافع الشخصية والسياسية المعقدة لرئيس وزراء الإحتلال المجرم  بنيامين نتنياهو الذي يرى في التصعيد الخارجي طوق نجاة داخلي.

 

صناعة “انتصار متخيل” للداخل المأزوم

 يعيش نتنياهو وفريقه الحكومي انسداداً سياسياً جراء تداعيات المعركة مع إيران ولبنان، وفي ظل هذا الانسداد، يبرز الاحتياج الملح لتسويق أي “صورة نصر” أو إنجاز أمني، ولو كان استعراضياً، لتقديمه للمجتمع “الإسرائيلي” المنهك بهدف ترميم الشرعية المتآكلة.

ومع اقتراب موعد الانتخابات “الإسرائيلية” وتصاعد المؤشرات التي تؤكد حتمية خسارة الائتلاف اليميني الحاكم، تتحول المقامرة العسكرية إلى أداة لترحيل الأزمات؛ حيث يحاول نتنياهو استمالة الصوت اليميني عبر استعراض القوة العسكرية في ساحة بعيدة جغرافيّاً، ظناً منه أن بعد المسافة قد يقيه تبعات الرد المباشر.

 

معضلة التطويق المتزامن.. ديناميكية “وحدة الساحات”

لكن هذا الحساب الاختزالي لنتنياهو يصطدم بالمعضلة الأكبر في التخطيط العسكري “الإسرائيلي” المعاصر؛ وهي أن جبهة اليمن لم تعد ساحة معزولة يمكن الاستفراد بها، بل باتت جزءاً عضوياً من شبكة أمنية إقليمية متكاملة تتحرك وفق عقيدة عسكرية موحدة رسخها محور المقاومة مؤخراً في مواجهة الاحتلال.

 وبناءً على ذلك، فإن أي قرار “إسرائيلي” باستهداف اليمن سيفعل تلقائياً بروتوكول “الدفاع الجماعي والمشترك”، حيث لن تقف جبهات لبنان وإيران وغيرها موقف المراقب، بل ستتحرك هذه الساحات وفق تكتيك “التطويق المتزامن”، مما يفرض على الاحتلال خوض حرب متعددة الجبهات تفوق قدرته العملياتية واللوجستية، وهذا قد تم تطبيقه مؤخراً عندما تدخلت إيران ، واليمن الى جانب المقاومة في لبنان ، وأرغمت الاحتلال الاسرائيلي على القبول بوقف إطلاق النار .

 

مآلات المغامرة

تأسيساً على كل ما تقدم، يمكن الخروج باستنتاج استراتيجي مفاده أن أي مغامرة عسكرية “إسرائيلية” جديدة في الساحة اليمنية لن تكون مجرد نزهة عملياتية لترميم صورة الكيان المنهزم أو جبهة نتنياهو الانتخابية، بل ستكون حماقة كبرى تدفع فيها منظومة الاحتلال ثمنًا باهظًا وغير مسبوق؛ إذ إن حدود الرد لن تظل حبيسة القواعد التقليدية للاشتباك، ولن تتوقف عند جغرافيا الكيان المحتل، بل ستمتد بحكم الترابط العضوي في المعركة لتطال المصالح والقواعد والأصول الأمريكية المنتشرة في المنطقة.

وعليه، فإن واشنطن، التي تحاول جاهدة احتواء الأزمات المتصاعدة، قد تجد نفسها مجددًا غارقة في ورطة استراتيجية واستنزاف عميق في اليمن، وهو مأزق عجزت عن الفكاك منه سابقًا.

 وعلاوة على ذلك، فإن الشرر المتطاير من هذه المغامرة “الإسرائيلية” سيتجاوز الميدان العسكري المباشر ليعيد صياغة المشهد الدبلوماسي في المنطقة، ومن المرجح أن تلقي الردود المنسقة لمحور المقاومة بظلالها الكثيفة على مسار التفاوض والتفاهمات الحالية بين طهران والولايات المتحدة ، وهو ما لا تريده ولا ترمب ان يحصل .

قد يعجبك ايضا