تعيش المنطقة واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، مع دخول المواجهة بين صنعاء والرياض منعطفاً تتقاطع فيه مؤشرات التصعيد العسكري مع محاولات اللحظة الأخيرة لإنقاذ المسار السياسي، فبينما تستعد قوات صنعاء لإعلان “موقف مهم يوم غد الاثنين، تتحرك الأمم المتحدة عبر الوساطات في سباق مع الزمن لاحتواء مواجهة تبدو أقرب من أي وقت مضى بين صنعاء والرياض.
ولم يكن إعلان الناطق الرسمي باسم قوات صنعاء، العميد يحيى سريع، اليوم الاحد عن بيان مرتقب “يليق بتطلعات الشعب اليمني”، مفاجئاً في سياق التطورات المتسارعة، بل جاء امتداداً لمسار تصاعدي بدأ الخميس الماضي، عندما أعلن السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي أن صنعاء تتجه نحو “قرار حاسم ومفصلي” يعبر عن خيار الشعب اليمني، بعد الخروج الجماهيري في جمعة “النفير والتحذير للسعودية” .
وفي اليوم التالي، خرجت حشود مليونية في العاصمة صنعاء وعدد من المحافظات مطالبةً قوات صنعاء بتنفيذ معادلة “الحصار بالحصار” إذا لم ترفع السعودية القيود المفروضة على اليمن، في مشهد عكس تصاعد المزاج الشعبي المؤيد للانتقال من مرحلة التحذير إلى مرحلة فرض معادلات جديدة.
ولم تمض ساعات على تلك المسيرات حتى أعلن وزير الدفاع في صنعاء اللواء الركن محمد العاطفي رفع مستوى الجاهزية في مختلف تشكيلات القوات المسلحة، مؤكداً استعدادها لتنفيذ أي توجيهات تصدر عن القيادة، ومحذراً من أن استمرار الحصار سيقابله تطبيق معادلة “الحصار بالحصار، والمطارات بالمطارات، والموانئ بالموانئ”، في مؤشر على أن المؤسسة العسكرية كانت تواكب التصعيد السياسي والشعبي بخطوات عملية على الأرض.
وفي اليوم التالي، السبت، رسم وفد صنعاء المفاوض حدود أي مسار محتمل لخفض التصعيد، مؤكداً أن أي اتفاق مع الرياض لن يكون قابلاً للحياة ما لم يتضمن معالجة شاملة للملفات الإنسانية، وفي مقدمتها فتح مطار صنعاء أمام جميع الوجهات، وصرف مرتبات الموظفين، ورفع القيود المفروضة على اليمن، رافضاً ما وصفه بالحلول الجزئية أو الشكلية.
وفي المقابل، كانت الرياض تتحرك في محاولة لاحتواء التصعيد، عبر خطوات متدرجة بدأت بملف الطيران، من خلال مبادرة تسيير رحلات جوية إلى مطار صنعاء عن طريق الطيران الاردني، وصولاً إلى استدعاء المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ، الذي عقد في الرياض سلسلة لقاءات مع مسؤولين سعوديين وسفراء الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، قبل أن يعود اليوم إلى العاصمة العمانية مسقط حاملاً مقترحات جديدة ، من الرياض لدعم جهود الوساطة التي تحاول التهدئة بين صنعاء والرياض ، والحيلولة دون انفجار الوضع .
غير أن تزامن عودة غروندبرغ إلى مسقط مع إعلان قوات صنعاء عن بيان مرتقب يحمل “موقفاً مهماً” يثير تساؤلات بشأن جدوى المقترحات التي حملها من الرياض ، فالتسلسل الزمني للأحداث يوحي بأن الاتصالات الدبلوماسية لم تتمكن من تحقيق اختراق يوازي سقف المطالب التي أعلنتها صنعاء خلال الأيام الماضية، الأمر الذي قد يفسر الانتقال إلى الإعلان عن موقف جديد في هذا التوقيت الحساس.
وتزداد هذه القراءة حضوراً مع ما كشفه، اليوم عضو المكتب السياسي لأنصار الله عبدالله النعمي، من أن صنعاء رفضت عروضاً سعودية تضمنت امتيازات مالية وتوسيعاً لنطاق سلطتها داخل الجغرافيا اليمنية، مؤكداً أن موقفها لم يتغير، وأن الأولوية لا تزال لرفع الحصار وإنهاء العدوان وانتزاع حقوق الشعب اليمني ، وإلا فأن جميع الخيارات تبقى مطروحة.
وفي ضوء هذا المشهد، تبدوا الامور أمام منعطف خطير؛ إذ تتحرك الوساطات في مساحة زمنية ضيقة، فيما ترتفع في المقابل وتيرة الرسائل السياسية والعسكرية الصادرة من صنعاء ،وبين هذين المسارين، يترقب الجميع ما سيحمله بيان قوات صنعاء المرتقب، باعتباره قد يشكل نقطة فاصلة، بإعلان مرحلة جديدة عنوانها فرض معادلات ميدانية جديدة لكسر الحصار وانتزاع مطالب الشعب اليمني التي تقول صنعاء انها لم تعد تحتمل التأجيل ، أو إعطاء فرصة أخيرة للمسار السياسي والدبلوماسي.
وبناءً على مسار التطورات خلال الأيام الماضية، تبدو فرضية إعلان صنعاء تفعيل معادلة “الحصار بالحصار” من بين السيناريوهات الأكثر حضوراً مع البيان المرتقب، غير أن اتجاه التطورات بعد ذلك سيبقى مرتبطاً بخيارات الرياض؛ فإما رفع الحصار عن الشعب اليمني وإما المواجهة العسكرية مع صنعاء ، والتي ستكون هذه المرة مختلفة باعتبار ما تمتلكه صنعاء من قدرات عسكرية متطورة تقول صنعاء انها ستمكنها من حسم المعركة لصالح الشعب اليمني .