يكشف تصريح متحدث قوات صنعاء، العميد يحيى سريع، اليوم الأربعاء عن تبني صنعاء لاستراتيجية عسكرية متكاملة في مواجهة الرياض، تقوم على الردع المتكامل، بهدف تضييق خيارات الرياض ورفع كلفة استمرار الحصار والتصعيد، وصولاً إلى إجبارها على رفع الحصار عن الشعب اليمني، والذي جعلته صنعاء شرطاً لإنهاء التصعيد مع الرياض.
مسارات العملية وفق ما أعلنه العميد سريع هي الحصار بالحصار، وحماية السيادة اليمنية من الاختراقات، واستهداف التحشيدات العسكرية التابعة للسعودية أينما كانت، والمعادلات الثلاث، وإن اختلفت ساحاتها، تتحرك ضمن هدف واحد يتمثل في نقل كلفة استمرار المواجهة إلى الطرف الذي يصر على إبقاء الحصار والتصعيد.
وتأتي معادلة الحصار بالحصار في مقدمة منظومة الردع، باعتبارها الأساس الذي انطلقت منه المواجهة الجديدة مع الرياض، فمع استمرار السعودية في فرض الحصار على الشعب اليمني وعدم الاستجابة لمطالب رفعه، اختارت صنعاء نقل المواجهة إلى المجال البحري المرتبط بالمصالح السعودية، لتصبح حركة النفط والسفن السعودية جزءاً من معادلة الضغط المتبادل.
وبحسب الإحصائية التي أعلنها العميد سريع، استهدفت قوات صنعاء منذ إعلان قرار حظر الملاحة البحرية على السعودية في 20 يوليو 8 سفن نفطية سعودية، بينها خمس في البحر الأحمر وثلاث في خليج عدن والبحر العربي، كما منعت 48 سفينة نفطية سعودية من العبور وأجبرتها على العودة.
وتكمن الأهمية العسكرية لهذه المعادلة في أنها تحول معادلة الحصار من وسيلة ضغط أحادية الاتجاه إلى معادلة ضغط متبادل: حصار اليمن يقابله حصار على الرياض وضغط على المصالح السعودية.
وإلى جانب الضغط البحري، تضع صنعاء معادلة حماية السيادة اليمنية من الاختراقات كخط ثانٍ في منظومة الردع.
ووفق العميد سريع، فإن قوات صنعاء نفذت، في إطار هذه المعادلة، 9 عمليات عسكرية استهدفت مواقع في ينبع ونجران وجيزان وأبها وإمدادات النفط في المنطقة الشرقية، رداً على العدوان السعودي على مطار صنعاء وميناء الحديدة.
وتعني هذه المعادلة، عسكرياً، أن صنعاء لا تريد أن يبقى الرد محصوراً في الجغرافيا اليمنية، بل تسعى إلى جعل أي اعتداء على اليمن قابلاً للرد في العمق السعودي، وهذا يرفع كلفة القرار العسكري على الرياض؛ لأن أي عملية ضد اليمن تصبح مرتبطة باحتمال تعرض مواقع ومصالح سعودية للرد، الأمر الذي يفرض على القيادة السعودية احتساب تداعيات التصعيد مع صنعاء.
أما المعادلة الثالثة، فتتعلق باستهداف التحشيدات العسكرية التابعة للسعودية أينما كانت، وهي معادلة تستهدف القدرة الهجومية قبل تحولها إلى عملية عسكرية.
ووفق الإحصائية التي أعلنها سريع، نفذت قوات صنعاء 14 عملية استهدفت التحشيدات التابعة للسعودية في الرويك والعبر والوديعة ومأرب والمخا، إضافة إلى سفن وزوارق تنقل معدات عسكرية وتحشيدات.
وتكشف هذه المعادلة عن محاولة للتعامل مع الحشد العسكري باعتباره جزءاً من المعركة منذ لحظة تجميع القوات ونقل المعدات والإمدادات، وليس فقط بعد وصولها إلى خطوط التماس.
وبحسب سريع، أسفرت هذه العمليات عن مقتل وإصابة المئات من أفراد التحشيدات، بينهم قادة وضباط سعوديون، إلى جانب إحراق وتدمير مخازن ومعدات، وإغراق وإحراق سفن وزوارق مرتبطة بنقل الأسلحة والتحشيدات.
تضييق خيارات الرياض
وتكمن القوة الاستراتيجية للمعادلات الثلاث في تكاملها ضمن منظومة ردع واحدة تضغط على أبرز أوراق القوة التي يمكن أن تستخدمها الرياض، فمعادلة الحصار بالحصار تنقل كلفة الحصار إلى المصالح البحرية والاقتصادية السعودية، ومعادلة حماية السيادة تجعل أي اعتداء على اليمن قابلاً للرد في العمق السعودي، فيما تأتي معادلة استهداف التحشيدات لتضرب ورقة الهجوم البري قبل تحولها إلى عملية عسكرية واسعة.
وتحديداً، فإن استهداف التحشيدات العسكرية التابعة للسعودية أينما كانت يجرد الرياض تدريجياً من ورقة الهجوم البري على مناطق سيطرة صنعاء، عبر استنزاف القوات والمعدات ووسائل الإمداد قبل وصولها إلى خطوط المواجهة، بما يجعل بناء قوة هجومية قادرة على تحقيق اختراق ميداني أكثر صعوبة وكلفة.
وبذلك لا تواجه الرياض، في حال اختارت التصعيد، جبهة واحدة يمكن احتواؤها، بل منظومة رد تمتد من البحر إلى العمق السعودي وصولاً إلى جبهات التحشيد والهجوم البري، وكلما حاولت استخدام إحدى أوراق الضغط، تواجه بورقة رد مقابلة، ما يضيّق هامش المناورة أمامها ويجعل خيارات التصعيد أكثر كلفة وتعقيداً.
وبهذا المعنى، فإن جوهر منظومة الردع التي تتخذها صنعاء هو تجريد الرياض من أدوات التصعيد الرئيسية، ودفعها إلى إعادة حساباتها؛ فكلما ارتفعت كلفة الخيار العسكري وتراجعت فرص تحقيق أهدافه، ضاقت الخيارات أمام الرياض، وأصبح الاتجاه نحو رفع الحصار أقل كلفة وأكثر واقعية.