المصدر الأول لاخبار اليمن

من التحشيد إلى خطوط التماس.. معادلة صنعاء تُفكك خيار الهجوم البري السعودي

تقرير | وكالة الصحافة اليمنية

تكشف طبيعة الضربات التي تنفذها قوات صنعاء ضد التحشيدات والمواقع العسكرية التابعة للسعودية عن مقاربة عسكرية استباقية لا تنتظر بدء الهجوم البري لمواجهته، وإنما تستهدف مقوماته منذ مراحل الإعداد والتحشيد والتمركز، بما يؤدي إلى إضعاف القوة المهاجمة قبل وصولها إلى مرحلة التنفيذ الميداني.

وتأتي المشاهد التي نشرها الإعلام الحربي، اليوم، لاستهداف تجمعات وآليات المسلحين التابعين للسعودية في عدد من الجبهات بواسطة طائرات “رجوم”، في سياق هذا المسار، بالتزامن مع تأكيد مصدر عسكري في قوات صنعاء أن الضربات الأخيرة أفشلت ترتيبات السعودية وتحضيراتها المستمرة للمعركة البرية.

وتشير هذه المعطيات إلى أن الاستهدافات ليست عمليات منفصلة، وإنما جزء من معركة استباقية تستهدف تفكيك منظومة القوة التي يحتاج إليها أي هجوم بري لكي يتحول من خطة عسكرية إلى عملية ميدانية قابلة للتنفيذ .

 

ضرب مكونات الهجوم 

وتكشف قراءة طبيعة الأهداف التي استهدفتها قوات صنعاء خلال الفترة الماضية عن توزيع واضح للجهد الناري وفق وظيفة كل هدف داخل منظومة الهجوم ،فالصواريخ والطيران المسيّر استهدفا التحشيدات العسكرية والمعسكرات ومراكز التجمع والإسناد في حضرموت ومأرب والمخا وبعض مديريات محافظة تعز، بما يطال القوة البشرية ومراكز الحشد ومخازن السلاح والقدرة النارية والإسناد الذي يفترض أن يوفر للقوات المهاجمة القدرة على بدء العملية واستمرارها.

وفي مستوى آخر، استهدفت طائرات “رجوم” التجمعات الأصغر والآليات العسكرية والمواقع المتقدمة، وهي العناصر التي يفترض أن تنتقل من مرحلة التحشيد إلى مرحلة التنفيذ، وتمثل نقاط ارتكاز وانطلاق محتملة لأي تحرك بري على خطوط التماس.

وبذلك، فإن الضربات تطال مختلف حلقات القوة التي يحتاج إليها الهجوم البري : القوة البشرية، ومراكز الحشد، والسلاح والإسناد، والآليات، والمواقع المتقدمة.

وهنا تتضح طبيعة المعادلة التي تعمل عليها صنعاء؛ فهي تستهدف القوة المهاجمة في عمقها وفي مقدمة انتشارها في الوقت نفسه، بحيث لا تترك لها فرصة الانتقال بسهولة من مرحلة بناء القوة إلى مرحلة استخدامها في هجوم بري.

 

توزيع الضربات

وفق هذه المقاربة، فإن الهجوم البري لا يبدأ لحظة تحرك القوات، وإنما منذ بدء التحشيد ونقل الآليات وتجهيز المواقع المتقدمة وتوفير مصادر الإسناد ،ولهذا تتوزع الضربات على مراحل الإعداد المختلفة، وبأدوات تتناسب مع طبيعة كل هدف ،فعندما تضرب الصواريخ والطائرات المسيّرة المعسكرات والتحشيدات ومراكز الإسناد، فإنها تستهدف العمق الذي يفترض أن يوفر القوة البشرية والنارية واللوجستية للعملية ،وعندما تستهدف طائرات “رجوم” وغيرها التجمعات والآليات والمواقع المتقدمة، فإنها تضرب المستوى الميداني الذي يفترض أن يحول تلك التحضيرات إلى حركة عسكرية على الأرض وبالتالي، تصبح عملية بناء القوة المهاجمة نفسها جزءًا من المعركة، وتصبح كل عملية تحشيد أو نقل للآليات أو إنشاء لموقع متقدم عرضة للاستهداف قبل أن تؤدي وظيفتها في الهجوم.

 

إسقاط عوامل القوة 

أي هجوم بري يحتاج إلى قوة بشرية متماسكة، وآليات جاهزة للحركة، ومواقع انطلاق وتمركز، ومخازن للسلاح والذخيرة، وقدرة نارية وإسناد لوجستي يضمن استمرار العملية، لكن عندما تتعرض هذه المكونات للاستهداف بصورة متواصلة، فإن القوة التي يفترض أن تبدأ الهجوم تصل إلى لحظة التحرك وهي تعاني أصلًا من الاستنزاف وتراجع الجاهزية.

بمعنى إن الضربات الاستباقية لا تستهدف القوات وحدها، بل تستهدف بيئة الهجوم ومقوماته الأساسية؛ فهي تضرب مراكز الحشد قبل اكتمال القوة، والآليات قبل دخولها المعركة، والمواقع المتقدمة قبل تحولها إلى نقاط انطلاق، ومصادر الإسناد قبل أن توفر الدعم للعملية.

وهذا يعني أن التحدي أمام الخطة السعودية لا يقتصر على مواجهة القوات المدافعة بعد بدء الهجوم، وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير، عند محاولة تشكيل قوة هجومية متماسكة والحفاظ على جاهزيتها وتركيزها.

 

معادلة تُسقط الخيار البري

من هنا، فإن جوهر المعادلة التي تفرضها صنعاء لا يتمثل فقط في صد هجوم بري بعد انطلاقه، وإنما في إسقاط عوامل القوة التي تجعل الهجوم ممكنًا من الأساس، فكلما استمرت الضربات على المعسكرات والتحشيدات والآليات والمواقع المتقدمة ومصادر الإسناد، أصبحت عملية تجميع القوة وتحريكها نحو خطوط التماس أكثر صعوبة، وتراجعت قدرتها على الاحتفاظ بالتركيز والجاهزية والزخم اللازم لتنفيذ عملية برية ،وبذلك، تنتقل المعركة من مرحلة مواجهة الهجوم إلى مرحلة منع تشكله؛ إذ تعمل صنعاء على تفكيك حلقاته قبل اكتمالها، بما يجعل إعادة بناء قوة هجومية قابلة للاستخدام الميداني عملية شاقة ومكلفة.

وعليه، فإن استمرار هذه المعادلة يقود عمليًا إلى إفشال الخطة البرية السعودية ، لأن الضربات لا تنتظر القوة المهاجمة عند خطوط التماس، وإنما تستهدف العناصر التي يفترض أن تمنحها القدرة على الوصول إلى تلك الخطوط وتنفيذ الهجوم.

وبهذا المعنى، فإن صنعاء لا تكتفي بالاستعداد لصد أي تحرك بري، بل تعمل على القضاء على مقوماته منذ مرحلة التحضير، عبر استهداف التحشيدات في المعسكرات، ومراكز الإسناد، والآليات، والتجمعات، والمواقع المتقدمة.

وهذه المعادلة تجعل أي محاولة لشن هجوم بري، سواء كان واسعًا أو محدود النطاق، أمام معضلة عملياتية كبيرة؛ إذ تصبح المشكلة في القدرة على تشكيل القوة المهاجمة وتأمين جاهزيتها وحمايتها حتى لحظة استخدامها، وليس فقط في قدرتها على القتال بعد بدء المعركة.

ومن ثم، فإن استمرار الضربات الاستباقية بهذه الصورة يعني أن الخيار البري السعودي يفقد تدريجيًا مقوماته الأساسية، ويقترب من حالة يصبح معها شبه مستحيل ميدانيًا، لأن القوة التي يفترض أن تنفذ الهجوم يجري استنزاف عناصرها وتفكيك بنيتها قبل أن تصل إلى لحظة التنفيذ.

قد يعجبك ايضا