المصدر الأول لاخبار اليمن

مئات الآلاف من الضحايا في الخلفية.. هل أنصف بيان المبعوث الأممي مأساة اليمن؟

تقرير | وكالة الصحافة اليمنية

 

أثار بيان المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، اليوم الاثنين، بشأن التصعيد الأخير، تساؤلات وانتقادات حول مدى توازن الخطاب الأممي في توصيف الأزمة اليمنية، خصوصًا عندما يُنظر إلى التطورات الحالية في سياق حرب مستمرة منذ أكثر من عقد، وليس باعتبارها أزمة بدأت مع الهجمات السعودية الأخيرة، وإصرار الرياض على المضي في فرض الحصار على اليمن.

وفي بيانه الأخير، حذّر غروندبرغ من أن “هجمات أنصار الله في بعض المناطق والبحر الأحمر، قد تدفع اليمن مجددًا نحو حرب واسعة النطاق، داعياً جميع الأطراف إلى خفض التصعيد والالتزام بالقانون الدولي الإنساني” حد قوله.

لكن الإشكالية تتمثل في سؤال أساسي: ماذا عن المسؤولية التاريخية عن الحرب والدمار والحصار الذي تعرض له اليمن؟

من الصعب قراءة المشهد اليمني الحالي بمعزل عن الحرب التي اندلعت بصورة واسعة منذ عام 2015، عندما تدخلت السعودية عسكريًا في اليمن.

ولا خلاف على أن اليمنيين دفعوا ثمنًا هائلًا خلال سنوات الحرب، ووفق تقدير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإن الحرب كانت مسؤولة، بشكل مباشر وغير مباشر، عن قتل ووفاة 377 ألف بحلول نهاية عام 2021، سواء بالاستهدافات المباشرة للمدنيين أو جراء تداعيات الحرب مثل الجوع والمرض وانهيار الخدمات.

وفيما يتعلق بالحصار المستمر حتى اليوم، خلص فريق الخبراء ـ الذي أنهت السعودية مهامه في اليمن ـ  إلى أن القيود التي فرضها التحالف بقيادة السعودية، بما فيها الحصار البحري الفعلي وإغلاق مطار صنعاء، حدّت بشدة من دخول الواردات وأعاقت وصول المساعدات، وأسهمت بصورة كبيرة في تدهور الاقتصاد اليمني، ما يعني أن الحصار يرقى إلى العقاب الجماعي المحظور بموجب القانون الدولي الإنساني.

غروندبرغ في إحاطاته الأخيرة أمام مجلس الأمن حول اليمن، لم يقدم إحاطة واحدة تحمل السعودية وفصائلها مسؤولية التصعيد، ورفض حلول السلام، واستمرار الحصار، الأمر الذي جعل من تلك الإحاطات تسوية مصطنعة بين الأحداث، وعزلها عن سياقها التاريخي.

إن اليمنيين يعانون من سنوات القصف والحصار والانهيار الاقتصادي، وأن المسؤولية عن الانتهاكات لا تسقط بالتقادم ولا تتغير بتغير المرحلة السياسية.

المبعوث الأممي نفسه يقول إن الحل يحتاج إلى معالجة الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية، وإن المطلوب مسار سياسي شامل بقيادة يمنية. وهذا يتفق مع طبيعة الأزمة اليمنية المعقدة؛ لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب خطابًا يتجاوز عبارة «وقف التصعيد».

فوقف إطلاق النار وحده لا يعالج آثار سنوات الحرب، ولا القيود المفروضة على الموانئ والمطارات، والانهيار الاقتصادي، كما أن الدعوة إلى خفض التصعيد يجب أن تكون متبادلة وقابلة للقياس، بحيث لا يشعر طرف بأن المطلوب منه التخلي عن أدوات الضغط، بينما تستمر أدوات ضغط أخرى ضده.

ومن ثم، فإن الرسالة الأكثر اتساقًا مع الدور الأممي ليست فقط: «أوقفوا التصعيد الحالي» بل: «أوقفوا كل أشكال الحرب والاعتداء والحصار، واحموا المدنيين، وافتحوا الموانئ والمطارات أمام الحركة المشروعة والمساعدات، وابدؤوا مسارًا سياسيًا يعالج جذور النزاع ».

توجيه غروندبرغ النقد لأنصار الله فيه تحيز واضح لصالح السعودية وأدواتها في اليمن فالعدالة في الخطاب الأممي تقتضي ألا يبدأ تاريخ اليمن من لحظة التصعيد الأخيرة.

بات على المبعوث الأممي غروندبرغ أن يضع التصعيد الحالي من أي طرف داخل الصورة الكاملة للحرب، والدفع نحو تسوية لا تكتفي بإدارة الصراع بل تنهي أسبابه وآثاره.

في المحصلة، فإن بيان المبعوث الأممي، رغم أهمية الدعوة إلى وقف التصعيد، يثير تساؤلات مشروعة حول مدى توازن الخطاب الأممي في توصيف الأزمة اليمنية. فالتركيز على هجمات معينة بوصفها مصدر الخطر الحالي، من دون وضعها بوضوح في سياق حرب استمرت سنوات وخلّفت مئات الآلاف من الضحايا ودمارًا واسعًا وأزمة إنسانية خانقة، قد يعطي انطباعًا بأن الأزمة بدأت مع التطورات الأخيرة، وهو اختزال لا يعكس تعقيد المشهد اليمني.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل تستطيع الأمم المتحدة أن تكون وسيطًا مقنعًا إذا بدا خطابها أكثر حدة تجاه طرف، بينما تبدو أقل وضوحًا في تحميل الأطراف الأخرى مسؤولية ما ارتكبته خلال سنوات الحرب؟ إن تحقيق السلام في اليمن لا يحتاج فقط إلى بيانات تدعو إلى ضبط النفس، بل إلى خطاب متوازن يعترف بجميع مراحل الصراع، ويضع معاناة اليمنيين في مركز الاهتمام، ويدفع نحو محاسبة كل من انتهك القانون الدولي، أيًا كان موقعه أو حلفاؤه.

قد يعجبك ايضا