تقرير/عبدالكريم مطهر مفضل/وكالة الصحافة اليمنية//
شهدت محافظة السويداء في الجنوب السوري تصعيدًا غير مسبوق، إثر تفجرت الأوضاع الأمنية مجددًا في غرب المحافظة بين مسلحين من عشائر البدو من جهة، ومسلحين محليين من الطائفة الدرزية، من جهة أخرى، في مشهد دموي يُعيد إلى الأذهان سيناريوهات العنف الطائفي وسلسلة الاشتباكات السابقة التي لم تجد طريقًا للحل.
لكن خلف الدخان المتصاعد والمواجهات الطائفية، تبرز أسئلة خطيرة: من يشعل الجبهات؟ ومن المستفيد من إعادة تفجير الوضع في منطقة تحاول النأي بنفسها عن صراعات النفوذ؟
قرى مشتعلة.. ثأر عشائري أم توتر مُدار؟
بينما كانت قرى محافظة السويداء السورية تنعم بهدوء حذر، هاجمت العشائر البدوية المدعومة من الحكومة السورية المؤقتة مناطق الدروز في ريف السويداء أحرقت فيها منازل المواطنين ضمن ما عرفت بالهجمات الانتقامية.
ووفق وسائل إعلامية ومؤسسات حقوقية سورية، بدأت الشرارة من قريتي ولغا والمزرعة، بعد قيام مسلحين يُعتقد بانتمائهم لعشائر البدو بإحراق ممتلكات تعود لسكان دروز، ما أدى إلى ردّ مسلّح واسع النطاق من الفصائل المحلية الدرزية، وانتشار المقاتلين على مداخل القرى.
تركّزت الاشتباكات خلال الساعات الماضية في قريتي ولغا والمزرعة غرب مدينة السويداء، وذلك عقب إقدام مسلحين من البدو على إحراق ممتلكات ومنازل تعود لأبناء الطائفة الدرزية، بحسب ما أفادت به مصادر محلية.
وامتدت الاشتباكات إلى قرية الصورة الكبيرة، ما أدى إلى نزوح جماعي للمدنيين من مناطق التماس، وسط حالة من الهلع الشعبي.
ورغم أن الظاهر يُوحي باندلاع اقتتال طائفي، إلا أن شهادات ميدانية من السكان تؤكد أن بعض المقاتلين البدو قدموا من خارج المحافظة، ما يطرح فرضية نقل الصراع إلى الداخل السوري من جهات تسعى لخلط الأوراق.
يقول أحد سكان قرية “الصورة الكبيرة” – التي امتد إليها النزاع – إن سيارات مجهولة كانت تدخل المنطقة في ساعات الليل وتنقل مسلحين إلى محيط نقاط التماس، قبل أن تُغادر باتجاه البادية.
تدخل الطائرات المسيّرة: من يقصف من؟
في ذروة الاشتباكات، ظهرت مفاجأة مدوية: طائرة مسيّرة غير معلومة الهوية استهدفت تجمعًا لمسلحين من عشائر البدو قرب قرية ولغا.
رغم عدم تبنّي أي جهة، أشارت مصادر ميدانية إلى أن الطائرة “تحمل بصمات إسرائيلية”.. جاء ذلك تزامنًا مع إعلان وكالة “سانا” عن غارة جوية في محيط السويداء، دون تقديم تفاصيل إضافية.
وفي وقت سابق، كانت طائرة مسيّرة إسرائيلية قد قصفت سيارة عسكرية تابعة لقوات الحكومة السورية الانتقالية على طريق “ظهر الجبل”، ما أسفر عن سقوط ضحايا من عناصر تلك القوات.
وسبق للطيران الإسرائيلي أن نفذ غارة جوية على سيارة عسكرية تابعة للحكومة السورية الانتقالية على طريق “ظهر الجبل”، أسفرت عن قتلى وجرحى.. إلا أن الغريب هو تزامن هذا الهجوم مع سحب مفاجئ للقوات الحكومية من السويداء، في خطوة لم يُفسرها أحد حتى الآن.
وتسائل نشطاء على منصات التواصل الاجتماعي: هل نحن أمام تنسيق بين سلطات دمشق الجديدة وحكومة الاحتلال؟ وهل سُمح للطائرات “الإسرائيلية” بتنفيذ عمليات دقيقة بالتوازي مع انسحاب القوات السورية؟.. سؤال يُربك كل محاولات قراءة المشهد.
تسريبات خطيرة: “إسرائيل” تُنسّق؟
وفي سياق بالغ الحساسية، ظهرت مفاجأة أخرى أطلقها مسؤول في حكومة الاحتلال الإسرائيلي، حيث كشف – في حديث لوسائل الإعلام العبري – أن حكومة الاحتلال وافقت على دخول محدود لقوات الأمن الداخلي السورية إلى السويداء لمدة 48 ساعة، مشيرًا إلى التنسيق في ظل ما وصفه بـ”الوضع الهش في المنطقة”.
هذا التصريح أثار جدلًا واسعًا، وكشف وجود قنوات تنسيق فعلية بين الحكومة السورية الانتقالية في دمشق والاحتلال الإسرائيلي، في ظل انسحاب أمني مثير للشكوك من السويداء وتفجّر الوضع الأمني في اليوم التالي، بعد جولة دامية طوال 4 أيام من الاشتباكات واتهامات بتواطؤ ضمني في تأجيج التوترات الطائفية.
مؤسسات حقوقية سورية اعتبرت هذا التصريح “كارثيًا”، إذ يعني بشكل غير مباشر أن القرار الأمني في جنوب سوريا بات بيد الاحتلال الإسرائيلي، أو على الأقل تحت غطائها، وهو ما وصفه أحد النشطاء بأنه “عار وطني وفضيحة سيادية”.
نفي حكومي.. لكن الوقائع تتكلم
رغم النفي الذي أصدره المتحدث باسم وزارة الداخلية في الحكومة السورية الانتقالية، نور الدين البابا، بخصوص إعادة انتشار القوات في السويداء، تؤكد صور الأقمار الصناعية وتقارير محلية أن الانسحاب تم بشكل كامل يوم الخميس الماضي، بعد أربعة أيام من مواجهات دموية.
فهل كان الانسحاب هروبًا تحت الضغط؟ أم أنه انسحاب تكتيكي مخطط ضمن تفاهمات مع طرف ثالث؟
السيناريو يُعاد
قال مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، في تصريح لـقناة “BBC”، إن ما يجري في السويداء هو “إعادة لنفس السيناريو القديم، حيث تبدأ الاشتباكات بين الدروز وبعض البدو، ثم تتدخل القوى الأمنية تحت ذريعة فرض الأمن”.
وأكد أن عناصر من القوى الأمنية ظهروا بلباس مدني خلال الاشتباكات، مشيرًا إلى إحراق منازل وسيارات تعود للدروز.
وأضاف أن وزارة الداخلية أعلنت إرسال تعزيزات أمنية إلى المنطقة، في خطوة يرى فيها البعض تمهيدًا لإعادة فرض قبضة السلطة على المحافظة.
ودعا مدير المرصد السوري إلى وقف فوري لإطلاق النار، وبدء حوار حقيقي بين المكونات المحلية بعيدًا عن التدخلات الخارجية، محذرًا من أن استمرار الاشتباكات قد يؤدي إلى تفكك النسيج الاجتماعي وفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الأجنبية، وعلى رأسها الاحتلال الإسرائيلي.
البُعد الإنساني الغائب
المدنيون كانوا – كالعادة – الضحية الأبرز، حيث سجلت منظمات محلية نزوح العشرات من القرى المشتعلة، وسط تحذيرات من أزمة إنسانية بسبب نقص الغذاء والدواء، خاصة في المناطق الغربية للسويداء.
في المقابل، انتشرت على مواقع التواصل مقاطع تُظهر استقبال النازحين من البدو في منازل درزية، ما يُظهر تمسك الأهالي بمبدأ التعايش الذي لطالما ميز السويداء تاريخيًا.
لكن هذا التعايش يبدو مهددًا اليوم أكثر من أي وقت مضى، في ظل دعوات من بعض العشائر لـ”النفير العام نحو السويداء”، وتحذيرات من اندلاع حرب أهلية مُدارة من خارج الحدود.
من المستفيد؟
يرى مراقبون أن ما يجري في السويداء ليس مجرد اشتباك محلي، بل جزء من مخطط أكبر لإعادة تشكيل جنوب سوريا، من خلال إثارة الفوضى الطائفية، ودفع القوى المحلية للتناحر، بما يُضعف أي محاولة لتأسيس حكم ذاتي أو مشروع وطني مستقل عن النفوذ الخارجي.
قوات الاحتلال الإسرائيلي، التي لم تُخفِ دعمها لفكرة “تقسيم سوريا إلى مناطق نفوذ”، قد ترى في هذه الأحداث فرصة لتثبيت سيطرتها الأمنية على الحدود، ومنع بروز أي قوة موحدة في الجنوب.
أما الحكومة السورية الانتقالية، فتواجه اتهامات بـ”إدارة الأزمة من الخلف”، والتخلي عن مسؤولياتها السيادية لصالح اتفاقات غير معلنة.
ما يجري في السويداء لا يمكن اختزاله في إطار نزاع عشائري عابر.. فكل الأدلة تشير إلى أن الأمر يتجاوز الصراع المحلي، نحو لعبة دولية قذرة تُدار على أرضٍ مثقلة بالدم والانقسام.
وفي ظل الغياب الكامل للحوار الوطني، وتواطؤ بعض الأطراف، قد تكون السويداء مقدمة لانفجار أكبر يطال كامل الجنوب السوري، ما لم يتم كبح هذا المسار سريعًا.