كشفت تحقيقات صحفية مدعومة بصور أقمار صناعية عن قيام قوات الاحتلال الإسرائيلي بتحريك كتل خرسانية صفراء تُستخدم لترسيم ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» إلى داخل مناطق متفرقة من قطاع غزة، في خطوة أثارت تساؤلات قانونية وميدانية حول مدى الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار.
ووفق مراجعة أجراها فريق تقصي الحقائق في هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، جرى وضع هذه الكتل في ثلاث مناطق على الأقل قبل أن يعاد نقلها لاحقًا إلى عمق أكبر داخل القطاع، ما جعل خط انتشار القوات الإسرائيلية بعد الهدنة متغيرًا على الأرض، وأوجد حالة من الارتباك والمخاطر بين السكان المدنيين.
وأوضحت التحقيقات أن هذا التحرك يتعارض مع روح الاتفاق الذي تم التوصل إليه بوساطة الولايات المتحدة مع حركة حماس، والذي ينص على انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى ما وراء خط محدد ومرسوم على الخرائط العسكرية. وكان وزير الحرب الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، قد أعلن في أكتوبر الماضي أن أي تجاوز لما يُعرف بـ«الخط الأصفر» سيقابل بإطلاق النار.
ومنذ صدور ذلك التحذير، سُجلت عشرات الحوادث الدامية قرب هذا الخط المتغير، بحسب تحليلات لمنشورات وتصريحات رسمية صادرة عن جيش الاحتلال.
وتشير البيانات إلى أن قوات الاحتلال نقلت الكتل الخرسانية في 16 موقعًا على الأقل في مناطق بيت لاهيا وجباليا وحي التفاح.
وفي حي التفاح وحده، رُصد تحريك ما لا يقل عن سبع كتل بين أواخر نوفمبر وأواخر ديسمبر، بمتوسط إزاحة بلغ نحو 295 مترًا باتجاه عمق القطاع.
كما وثّق فريق بي بي سي وجود 205 علامات ميدانية إضافية، وُضع أكثر من نصفها في مناطق أعمق بكثير من الخط المحدد على الخرائط الرسمية.
وتُظهر صور الأقمار الصناعية حتى 11 يناير أن أجزاء واسعة من الخط لا تزال دون علامات ميدانية واضحة، رغم مرور أكثر من ثلاثة أشهر على بدء سريان وقف إطلاق النار، في حين غابت الكتل الخرسانية عن مسافة تقارب عشرة كيلومترات، ما ترك السكان في حالة من الغموض حيال حدود ما يسميه جيش الاحتلال «منطقة قتال خطرة».
ونقل التحقيق شهادة شاب من محيط خان يونس أكد أن تحريك الكتل بشكل مفاجئ وضعه داخل منطقة مصنفة خطرة دون أي إنذار مسبق، مشيرًا إلى أن إطلاق النار وتحركات الجنود والطائرات المسيّرة باتت جزءًا من تفاصيل حياته اليومية.
ويرى خبراء أن نقل هذه الكتل يشكل وسيلة غير معلنة لإعادة رسم السيطرة الميدانية دون تعديل رسمي للخرائط، مؤكدين أن انعكاسات ذلك كانت مباشرة على المدنيين، حيث جرى تسجيل 69 واقعة إطلاق نار على أشخاص بدعوى تجاوز الخط منذ أكتوبر الماضي.
وفي حوادث موثقة، استشهد أطفال ومدنيون قرب الكتل الصفراء أو داخل مناطق يفترض أنها آمنة وفق الخرائط المعتمدة. كما أظهرت صور الأقمار الصناعية وجود آليات عسكرية إسرائيلية وأعمال هدم خارج الخط المتفق عليه، أعقبتها في بعض الحالات إعادة نقل العلامات إلى مواقع جديدة وتوسيع نطاق الدمار.
وبحسب خبراء قانونيين وحقوقيين، قد تفضي هذه الممارسات عمليًا إلى إنشاء «حزام معقم» داخل قطاع غزة، ما يعني أن الواقع الميداني بات يتحدد بمكان الكتل الخرسانية لا بنصوص اتفاق وقف إطلاق النار، الأمر الذي يثير مخاوف جدية بشأن حماية المدنيين ووضوح الالتزامات القانونية المفروضة على قوة الاحتلال.