اقتصاد الطباعة: هل تنقذ طباعة الدولار الاقتصاد الأمريكي أم تُسرّع أفول هيمنته؟
عبدالكريم مطهر مفضل/وكالة الصحافة اليمنية
طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في خطابة الأخير حزمة إجراءات اقتصادية تهدف إلى تخفيف آثار الحرب الإقليمية الدائرة في الشرق الأوسط على الاقتصاد الأمريكي، عبر التحكم بأسعار الطاقة وتخفيف الضرائب على الشركات.
ظاهرياً، تبدو هذه السياسات جزءاً من أدوات التحفيز الاقتصادي التقليدية التي تلجأ إليها الحكومات في أوقات الأزمات. غير أن القراءة الاستراتيجية الأعمق لهذه السياسات تقود إلى نتيجة مختلفة: فتمويل هذه الإجراءات في ظل عجز مالي متضخم قد يدفع واشنطن مرة أخرى إلى توسيع الكتلة النقدية وضخ سيولة ضخمة في الأسواق العالمية.
هذا السيناريو يعيد إلى الواجهة سياسة اقتصادية لطالما شكّلت إحدى الركائز الخفية لقوة الاقتصاد الأمريكي، لكنها في الوقت ذاته قد تتحول اليوم إلى سلاح ذو حدين في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة.
يقول الكاتب والمحلل السياسي اللبناني ميخائيل عوض في حديثه لوكالة الصحافة اليمنية: “هذه السياسة، المعروفة اقتصادياً باسم التيسير الكمي، كانت في السابق أحد أهم أدوات الإنقاذ المالي. لكنها اليوم قد تحمل تداعيات أعمق، لأن العالم الذي سمح للولايات المتحدة بطباعة الدولار بلا حدود تقريباً بدأ يتغير”.
من “التيسير الكمي” إلى اقتصاد الحرب
لفهم ما يحدث اليوم، يجب العودة إلى لحظة مفصلية في التاريخ الاقتصادي الحديث: الأزمة المالية العالمية عام 2008.
عندما انهار النظام المصرفي الأمريكي بعد سقوط بنك ليمان براذرز، لجأ الاحتياطي الفيدرالي إلى سياسة غير مسبوقة: شراء السندات الحكومية والأصول المالية بمئات المليارات من الدولارات، ما أدى عملياً إلى خلق نقود جديدة وضخها في الاقتصاد.
خلال سنوات قليلة فقط، ارتفع حجم ميزانية الاحتياطي الفيدرالي بشكل هائل.
فبعد أن كانت أقل من تريليون دولار قبل الأزمة المالية، تضخمت لاحقاً إلى مستويات غير مسبوقة، ووصلت إلى نحو 8.9 تريليونات دولار خلال جائحة كورونا قبل أن تنخفض لاحقاً إلى نحو 6.5 تريليونات دولار في عام 2025.
خلال تلك المرحلة، نجحت واشنطن في تجنب ركود عميق، بل وتمكنت من إعادة تنشيط الاقتصاد العالمي إلى حد كبير. لكن الظروف التي سمحت بذلك النجاح لم تعد كما كانت.
اليوم، تختلف المعادلة جذرياً لثلاثة أسباب رئيسية:
ارتفاع الدين العام الأمريكي إلى مستويات قياسية تجاوزت 34 تريليون دولار.
تزايد الإنفاق العسكري المرتبط بالتوترات الدولية في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا.
تصاعد المنافسة الجيوسياسية مع قوى كبرى مثل الصين وروسيا.
يقول الخبير الاقتصادي اللبناني د. كمال حمدان المدير التنفيذي لمؤسسة البحوث والاستشارات في لبنان في حديثه لوكالة الصحافة اليمنية: في ظل هذه العوامل، فإن ضخ سيولة جديدة في الأسواق قد لا يؤدي فقط إلى تنشيط الاقتصاد، بل قد يسرّع أيضاً موجات التضخم ويعمّق الاختلالات المالية.
دين يتضخم بسرعة غير مسبوقة
لكن الطباعة النقدية لم تكن بلا ثمن، ففي الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تضخ السيولة في الاقتصاد، كانت أيضاً تمول عجزها المالي عبر الاقتراض. والنتيجة كانت تضخماً هائلاً في الدين العام.
تشير أحدث البيانات إلى أن إجمالي الدين الوطني الأمريكي تجاوز 38.5 تريليون دولار مطلع عام 2026، وهو مستوى قياسي في تاريخ الولايات المتحدة.
وتظهر البيانات الرسمية أن الدين ارتفع بأكثر من 2.25 تريليون دولار خلال عام واحد فقط، بمعدل يقارب 8 مليارات دولار يومياً.
كما بلغ الدين نحو 113 ألف دولار لكل مواطن أمريكي، وقرابة 286 ألف دولار لكل أسرة.
هذا الارتفاع المتسارع ليس مجرد رقم اقتصادي، بل مؤشر على تحولات عميقة في بنية الاقتصاد الأمريكي.
فمنذ عام 1971 – عندما أنهت الولايات المتحدة ارتباط الدولار بالذهب – قفز الدين من أقل من 400 مليار دولار إلى أكثر من 36 تريليون دولار بحلول 2025، أي بزيادة تقارب 8900٪.
خبراء اقتصاد: الطباعة النقدية لم تعد خياراً مريحاً
يرى عدد من الخبراء الاقتصاديين أن اللجوء إلى توسيع الكتلة النقدية قد يكون الخيار الأسرع أمام صانعي القرار في واشنطن، لكنه ليس بالضرورة الخيار الأكثر أماناً.
يقول الدكتور كمال حمدان: “السياسة النقدية الأمريكية بُنيت طوال عقود على امتياز استثنائي يتمثل في كون الدولار العملة الاحتياطية الأولى في العالم. هذا الامتياز منح واشنطن قدرة شبه فريدة على تمويل عجزها عبر طباعة العملة دون أن تواجه انهياراً فورياً في قيمتها”.
لكنه يضيف أن المعادلة بدأت تتغير تدريجياً: “إذا استمرت الولايات المتحدة في الاعتماد المفرط على طباعة الدولار، بينما تتوسع في الوقت نفسه العقوبات الاقتصادية والحروب التجارية، فإن عدداً متزايداً من الدول سيبحث عن بدائل نقدية، وهو ما بدأنا نراه بالفعل في اتفاقيات الطاقة والتجارة التي تُبرم بعملات غير الدولار”.
العالم يتغير ويبدأ البحث عن بدائل
في السنوات الأخيرة، تسارعت محاولات عدة دول لتقليل اعتمادها على الدولار.
الصين وروسيا في التجارة الثنائية، وأيضا الهند والبرازيل على سبيل المثال، توسعتا في استخدام العملات المحلية في التبادل التجاري، كما ظهرت مبادرات داخل مجموعة بريكس لتقليل الاعتماد على الدولار في التجارة الدولية.
ويرى الدكتور حمدان، أن هذه التحولات مرتبطة مباشرة بالسياسات النقدية الأمريكية.
ويقول: “كلما توسعت الولايات المتحدة في طباعة الدولار، زادت المخاوف لدى الدول الأخرى من أن قيمة احتياطياتها قد تتآكل بمرور الوقت”.
ويضيف: “إذا ترافق ذلك مع استخدام الدولار كسلاح في العقوبات الاقتصادية كما حصل مع روسيا وإيران، وكذا تهديد عدة دول بعقوبات اقتصادية فإن الدول ستبحث حتماً عن بدائل”.
حرب مكلفة واقتصاد تحت الضغط
العامل الآخر الذي يزيد الضغط على الاقتصاد الأمريكي هو تكلفة الحروب والتوترات الدولية.
فالإنفاق العسكري الأمريكي هو الأكبر في العالم، ويزداد عادة في أوقات الأزمات.
وفي الوقت نفسه، تتوقع التقديرات الاقتصادية أن يبلغ العجز في الميزانية الأمريكية نحو 1.85 تريليون دولار في عام 2026، أي ما يعادل نحو 5.8٪ من الناتج المحلي الإجمالي.
ومع استمرار العجز المالي، تصبح الحكومة الأمريكية مضطرة إلى الاقتراض أو طباعة المزيد من المال.
حرب المضائق والاقتصاد العالمي
هناك معضلة أخرى تشكل تهديداً للاقتصاد الأمريكي والعالمي والمتمثل في الإقفال الذكي للمضائق البحرية، خاصة مضيق هرمز والذي يتجلي من تهديدات ترامب لطهران بمضاعفة العدوان عليها إذا أقدمت على إغلاق المضيق الحساس.
يقول الدكتور عوض مضيق هرمز الذي يمر عبره حوالي 20% من تجارة النفط العالمية وبالتالي أي اضطراب فيه يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، اهتزاز الأسواق المالية، وتسارع التضخم العالمي
ومن هنا يفسر عوض إعلان ترامب احتمال تخفيف العقوبات على روسيا والصين باعتباره خطوة اضطرارية لحماية الاقتصاد العالمي من الانهيار.
ويرى عوض في هذا القرار نتيجة فرط استراتيجية للحرب لصالح عالم أوراسيا الصاعد.
اقتصاد على حافة التحول
يربط بعض المحللين بين السياسات الاقتصادية المرتبطة بالحرب على إيران وبين احتمال دخول الاقتصاد الأمريكي مرحلة أكثر حساسية.
فارتفاع أسعار الطاقة، واتساع العجز المالي، وتضخم الإنفاق العسكري، جميعها عوامل تضغط على بنية الاقتصاد الأمريكي.
وإذا اقترنت هذه الضغوط بسياسات نقدية توسعية غير منضبطة، فقد يؤدي ذلك إلى تراجع تدريجي في القوة الشرائية للدولار.
ويحذر الدكتور عوض من أن الخطر الحقيقي لا يكمن في أزمة فورية، بل في تحول بطيء في موازين النظام المالي العالمي.
ويقول: “الأزمات الكبرى لا تبدأ عادة بانهيار مفاجئ، بل بتآكل تدريجي في الثقة. وإذا بدأ العالم يفكر بجدية في بدائل للدولار، فإننا قد نشهد خلال العقدين القادمين نظاماً مالياً مختلفاً تماماً عما عرفناه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية”.
لا تبدو مسألة طباعة الدولار مجرد إجراء اقتصادي تقني، بل تتحول إلى مؤشر على مأزق استراتيجي أوسع. فواشنطن التي اعتادت تمويل قوتها الاقتصادية والعسكرية عبر عملتها الوطنية تجد نفسها اليوم أمام عالم يتغير بسرعة، حيث تتنامى القوى الاقتصادية المنافسة، وتتوسع المبادرات التي تسعى لتقليل الاعتماد على الدولار.
وعليه يمكننا القول، إن واشنطن إذا استمرت في تمويل قوتها العسكرية والاقتصادية عبر عملتها الوطنية، بينما يتجه العالم تدريجياً إلى تقليل الاعتماد عليها، فقد يتحول الدولار من أداة إنقاذ اقتصادي إلى نقطة تحول تاريخية في ميزان القوى الاقتصادية العالمية.