مسيّرات “الصمت القاتل” تذل أضخم منظومة دفاع إسرائيلية.
مليون دولار تصطدم بـ 500 فقط
تحليل/عبدالكريم مطهر مفضل
يفرض تصاعدُ تهديد المسيّرات الانقضاضية منخفضة الكلفة معادلة ميدانية جديدة على قوات الاحتلال الإسرائيلي، ويكشف هشاشة غير متوقعة في منظوماتها الدفاعية المتقدمة، بعدما تحولت هذه الأدوات البسيطة إلى عنصر ضغط يومي يعيد رسم قواعد الاشتباك جنوب لبنان.
في هذا السياق، يتنامى القلق داخل قوات الاحتلال الإسرائيلي من استخدام حزب الله لمسيّرات مزودة بقذائف PG-7L، ضمن هجمات مكثفة أربكت تحركات القوات وقيّدت انتشارها، في ظل عجز واضح عن رصدها أو اعتراضها في الوقت المناسب، والتي باتت تشكّل أداة فعالة في استنزاف القدرات العسكرية وإرباك الانتشار الميداني لقوات الاحتلال في جنوب لبنان.
هذا القلق لا يرتبط فقط بارتفاع وتيرة الاستخدام، بل بطبيعة هذه المسيّرات التي تمثل نموذجاً متقدماً في الحروب غير المتكافئة، حيث تتفوّق البساطة التقنية على التعقيد العسكري التقليدي، وتتحول الكلفة المنخفضة إلى سلاح استراتيجي يهدد منظومات باهظة الثمن.
“الصمت الإلكتروني”.. سلاح خارج الرصد
تعتمد هذه المسيّرات على مبدأ “الصمت الإلكتروني”، أي العمل دون أي إشارات بث أو استقبال، ما يجعلها شبه غير مرئية للأنظمة الدفاعية التقليدية التي تعتمد على التقاط الترددات.
العميد محمد الشريف مستشار وزارة الدفاع في صنعاء، أكد في حديث مع وكالة الصحافة اليمنية، بأن هذا النمط يختصر زمن الإنذار إلى حدّه الأدنى، مضيفاً أن قدراتها أثناء التوغل والهجوم لا يُرصد إلا عند لحظة الانقضاض، وهو ما يقيّد قدرات أكبر الجيوش النظامية وفي مقدمتها القوات الأمريكية وقوات الاحتلال الإسرائيلي على الرصد والتعامل معها.
ويرى الشريف، أن “الاعتماد الإسرائيلي الكبير على التفوق الإلكتروني بات نقطة ضعف، إذ إن هذه المسيّرات صُممت تحديداً لتفادي هذا النوع من الرصد، ما يخلق فجوة عملياتية واضحة”.
هجوم من الأعلى.. حيث تضعف الحماية
تكتيكياً، تعتمد المسيّرات على مسار حلزوني وهجوم رأسي يستهدف النقاط الأضعف في الآليات العسكرية، خصوصاً الأسطح العلوية الأقل تدريعاً.
هذا النمط، وفق العميد محمد الشريف، لا يهدف فقط إلى التدمير، بل إلى “شلّ الأنظمة” وإخراج الهدف من الخدمة بسرعة، حتى قبل الانفجار الكامل.
الخداع بالسرعة.. ثوانٍ تحسم المواجهة
من أبرز خصائص هذه المسيّرات قدرتها على تغيير سرعتها بشكل مفاجئ؛ إذ تقترب ببطء ثم تنقض بسرعة قد تصل إلى 150 كم/س، ما يُربك التقدير البشري ويقلل من فرص إصابتها.
ويؤكد الكاتب والمحلل السياسي اللبناني الدكتور ميخائيل عوض في حديث لوكالة الصحافة اليمنية أن “محاولات إسقاط هذه المسيّرات بالأسلحة الفردية غالباً ما تفشل بسبب هذا التحول المفاجئ في السرعة”.
أثر استخباراتي شبه معدوم
تعقّد هذه المسيّرات أيضاً جهود التتبع، إذ يُعتقد أن بعض نماذجها تعمل بوسائط تحكم لا تترك أثراً إشعاعياً، ما يجعل تحديد موقع المُشغّل بعد الهجوم مهمة شديدة الصعوبة.
وهنا تتعزز ميزة “الضرب والانسحاب”، التي تسمح بتنفيذ هجمات متكررة دون كشف المصدر.
تحول استراتيجي: من التفوق إلى الاستنزاف
في قراءة أوسع، يرى الدكتور ميخائيل عوض أن ما يجري “يمثل تحولاً نوعياً في الميدان، حيث تُستخدم أدوات منخفضة الكلفة لاستهداف نقاط الضعف البنيوية في قوات الاحتلال الإسرائيلي، سواء الأفراد أو المعدات، مع نقل المعركة تدريجياً إلى عمق الخصم”.
ويضيف أن “المفارقة تكمن في أن كلفة هذه العمليات محدودة جداً، مقابل خسائر استراتيجية مرتفعة، ما يعني أن ميزان القوة لم يعد تقليدياً، بل بات قائماً على اللامركزية والمرونة والاستنزاف الذكي”.
هل تغيّر المسيّرات قواعد الاشتباك؟
تشير المعطيات الميدانية إلى أن هذه المسيّرات لا تعتمد على التفوق التكنولوجي المعقّد بقدر ما تستغل ثغرات في العقيدة الدفاعية التقليدية، مثل بطء الاستجابة والتركيز على التهديدات الكبيرة.
ومع استمرار استخدامها بوتيرة متصاعدة، يطرح مراقبون تساؤلات جدية حول قدرة الأنظمة الدفاعية الحالية على مواكبة هذا التحول، وما إذا كانت قواعد الاشتباك في المنطقة تتجه نحو إعادة تعريف شاملة.
في المحصلة، لم تعد المعركة مجرد صراع بين جيوش تقليدية، بل اختباراً مفتوحاً لمدى قدرة التكنولوجيا البسيطة على تفكيك منظومات عسكرية معقدة في مشهد يعيد رسم ملامح الحروب الحديثة من جديد.