كيف تُصنع قرارات وتصريحات ترامب “الفجة” ومن يدير هندسة الحروب النفسية في الولايات المتحدة؟
تقرير| وكالة الصحافة اليمنية |عامر محمد الفايق
في المشهد السياسي العالمي، يظل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشغل الشاغل للمراقبين، حيث يثير أسلوبه تساؤلات مستمرة حول ما إذا كان يتحرك بـعفوية مُفرطة، أم أنه ينفذ استراتيجية سياسية وإعلامية بعناية فائقة في غرف واشنطن المغلقة.
تشير تقارير متعمقة لكواليس الإدارة الحالية إلى أن العالم ليس أمام قرارات عشوائية أو زلات لسان ترامبية، بل أمام مطبخ سياسي معد ومجهز مسبقا، وغرف عمليات مخصصة للحرب النفسية والاعلامية والسياسية، أُعيد صياغتها لهدف أن تستعيد الولايات المتحدة مكانتها الدولية عبر أساليب غير تقليدية.
تبدأ هذه الهندسة السياسية من داخل الجناح الغربي بالبيت الأبيض، حيث تخضع حركة الرئيس وتصريحاته لإشراف دقيق من دائرة ضيقة وموثوقة. وفي حين تبرز “سوزي وايلز”، رئيسة موظفي البيت الأبيض، كالمهندسة الصامتة التي تضبط الإيقاع اليومي وتمنع الفوضى التنظيمية، يتولى الجناح الإعلامي والاتصالي، بقيادة السكرتيرة الصحفية “كارولين ليفيت” وخبير التواصل الرقمي “دان سكاڤينو”، صياغة البيانات ورصد الصدى الدولي لتصريحات ترامب. هذا الضبط التنظيمي يلتقي مع صياغة أيديولوجية صارمة يقودها مستشارون بارزون مثل “ستيفن ميلر”، الذين يغذون الرئيس بالخلفيات السياسية الداعمة لتوجهاته المتمثلة في شعار “أمريكا أولاً”، مما يعني أن كل ما يصدر عن الرئيس يمر عبر قنوات فرز وتقييم للبدائل والاحتمالات.
هذا البناء التنظيمي يعيدنا إلى جذور صعود ترامب إلى السلطة؛ فالرجل لم يأتِ بمحض الصدفة الدبلوماسية. وإذا كان هو من اختار دخول المعترك السياسي مستنداً إلى خبرته في الإعلام وبناء الهوية الشخصية، فقد جرى في المقابل “اختياره واحتضانه بعناية” من قِبل تيارات اليمين المحافظ، وشبكات رأس المال القومي، ومراكز الفكر السيادي في الولايات المتحدة.
هذه القوى رأت في ترامب الشخصية القادرة على تحطيم الجمود السياسي ومواجهة صعود القوى الدولية المنافسة مثل الصين وروسيا بجرأة تفتقر إليها الشخصيات السياسية التقليدية.
ومن هنا، يصبح تفكيك لغز تصريحات ترامب الصادمة أمراً ممكناً؛ فما يراه البعض “هفوات” أو “أكاذيب” ليس في الواقع سوى أدوات تكتيكية مدروسة ومخطط لها بعناية، فعندما يُطلق ترامب تصريحاً مثيراً للجدل، فإنه يقصد إحداث هزّة إعلامية لخلخلة مواقف خصومه وجذب كامل الانتباه نحو السردية التي يريدها. ويتجلى ذلك بوضوح في سياسة “حافة الهاوية” التي يتبعها في (التهديد والتراجع)، وهي الاستراتيجية التي مارسها مع حلف الناتو ودول أوروبية، وفي ملفات إيران، وفنزويلا، وروسيا، وأوكرانيا، ومقترحه القديم لشراء “جرينلاند”، وصولاً إلى تعاطيه مع ملف غزة وقادة الشرق الأوسط.
إن التهديد العنيف ثم التراجع ليس دليلاً على التردد، بل هو تكتيك لرفع سقف التفاوض إلى حده الأقصى وإجبار الأطراف الأخرى على تقديم تنازلات كبرى.
وتشير التقارير الاستخباراتية والسياسية إلى أن الفترة الرئاسية الحالية لترامب تمثل ذروة “الحرب النفسية والإعلامية والسياسية الأمريكية”، مستفيدة من خلفيته العميقة كإعلامي بارع في إدارة الحشود. وتعتمد هذه الحقبة على ما يمكن تسميته بسياسة “المكاشفة الفجة”، حيث يتم إخراج “ما تحت الطاولة” في السياسة الأمريكية إلى العلن بشفافية صادمة، بعيداً عن الدبلوماسية السرية ونظريات المؤامرة التي لطالما حجبت كواليس القرار عن المواطن الأمريكي.
ترامب يضع المصالح الأمريكية العارية فوق الطاولة أمام العالم (مثل فرض الرسوم الجمركية الصارمة والمطالبة بالدفع مقابل الحماية)، بهدف تطبيع هذه المطالب الجديدة نحو العالم وإحداث هزات تفرض على النظام الدولي قبول واقع تستعيد فيه واشنطن هيمنتها المطلقة بأسلوب الصدمة والترهيب.
هذا الهجوم النفسي والإعلامي المنظم يقف خلفه جيش من الخبراء ومراكز البحوث داخل الإدارة الأمريكية؛ حيث يعمل مجلس الأمن القومي (NSC) ومكتب الاستراتيجيات السياسية بالبيت الأبيض، بالتنسيق مع وحدات العمليات النفسية (PsyOps) في البنتاغون والاستخبارات، على تلقين وتغذية الرئيس بالخطط، والخلفيات التاريخية، والدراسات الجاهزة للاختيار من بين البدائل.
وتُدار هذه العمليات عبر خطط زمنية مرحلية وتدريجية تمتلك عناصر المفاجأة والإثارة. وتتكامل هذه الجهات الرسمية مع مخرجات مراكز فكرية يمينية كبرى مثل “مؤسسة هيريتيج” و”معهد أمريكا أولاً للسياسات”، والتي تشير التقديرات إلى أن قوامها البشري داخل المكاتب التنفيذية والاستشارية يضم ما بين 500 إلى 800 خبير ومحلل يعملون بلا انقطاع لرسم سيناريوهات المواجهة المستقبلية.
في المحصلة، ظاهرة ترامب ليست مجرد حالة فردية عابرة، بل هي استراتيجية مؤسسية مُهندسة لهذه الإدارة، إن “سياسة المكاشفة” التي يتبعها، وإن بدت مقلقة للحلفاء، فإنها تمثل إعادة صياغة جذرية لإدارة القوة الأمريكية؛ حيث تم استبدال الدبلوماسية الناعمة بحروب نفسية وإعلامية علنية ومباشرة. ومن خلال هذا المزيج بين التخطيط الخفي والأداء الاستعراضي الفج ، تسعى واشنطن تحت إدارة ترامب إلى فرض أمر واقع جديد في النظام الدولي، وكل “هفوة” أو “تراجع” أو “مفاجأة” ليست سوى أحجار شطرنج تُحركها عقول استراتيجية لإبقاء الولايات المتحدة في مقعد للقيادة العالمية.