مونديال الإهانات.. كواليس الصدمة التي واجهتها المنتخبات في أمريكا
تقرير | وكالة الصحافة اليمنية
مع بدء العد التنازلي لانطلاق منافسات بطولة كأس العالم 2026 التي ستنطلق بعد غد الخميس، تصاعدت موجة من الانتقادات والجدل الإعلامي حول طبيعة الاستقبال والتعامل الذي واجهته بعض المنتخبات واللاعبين أثناء وصولهم إلى الأراضي الأمريكية، حيث تداخلت التعقيدات، والتشديدات الأمنية، والمواقف السياسية لتخلق بيئة مشحونة قبل إطلاق صافرة البداية.
شهدت أروقة المطارات الأمريكية حوادث لافتة تعكس الصرامة الأمنية المتبعة، والتي طالت نجومًا بارزين، حيث تعرّض نجم المنتخب العراقي “أيمن حسين” لاحتجاز واستجواب استمر لنحو 7 ساعات فور وصوله إلى إحدى المطارات الأمريكية، شملت إجراءات التدقيق فحصًا دقيقًا لهاتفه الشخصي، مما أثار استياءً واسعًا في الأوساط الرياضية العربية والعالمية واعتُبر تعاملاً لا يليق ببعثة رياضية رسمية وافدة للمشاركة في محفل دولي.
قضية الحكم الصومالي “عمر قرطان” أحد أفضل الحكام في أفريقيا، مثالا أخر لهذا التعامل، والذي اختاره الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) للمشاركة في كأس العالم، ليصبح أول حكم صومالي في تاريخ البطولة. ورغم امتلاكه تأشيرة صالحة وجوازَ سفر دبلوماسيا، منعته سلطات الهجرة الأمريكية من دخول البلاد وأعادته من مطار ميامي؛ في تصرف مهين، ضرب بمبدأ العدالة وتكافؤ الفرص في كرة القدم عرض الحائط.
لقد ألقت التوترات السياسية الدولية بظلالها مباشرة على استعدادات ومقار إقامة بعض المنتخبات، لا سيما في ظل تشديد السياسات الإدارية والأمنية الأمريكية، في مقدمة ذلك تأشيرات المنتخب الإيراني، حيث واجهت البعثة الإيرانية عراقيل بالغة؛ وتم رفض منح تأشيرات دخول لعدد من أفراد الطاقم الإداري والفني المساعد للمنتخب، كما أن تأشيرات اللاعبين لم تُمنح إلا قبل أسبوع واحد فقط من الانطلاق.
ليوافق الاتحاد الدولي لكرة القدم، على نقل المعسكر التدريبي والمقر الرئيسي للمنتخب الإيراني من الولايات المتحدة إلى المكسيك لتفادي المزيد من الاحتكاكات.
لقد كشفت الحالات المرتبطة بلاعبين وإداريين من المغرب والعراق ودول عربية أخرى أن ملف الدخول إلى أمريكا، لا يتعلق فقط بالجماهير، بل يشمل أيضا أطقم المنتخبات نفسها التي يُفترض أنها تمثل الدول المشاركة في الحدث.
في المغرب، أثارت قضية المدافع “زكريا الواحدي” جدلاً واسعاً، بعدما تحدثت تقارير إعلامية عن إنزاله من الطائرة قبيل إقلاعها، بسبب إشكالات مرتبطة بالتأشيرة، قبل أن تؤكد وسائل إعلام مغربية لاحقاً بدخول الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم على خط الوساطة لتسوية الملف.
وبينما تؤكد السلطات الأمريكية أن الإجراءات تندرج ضمن نظام أمني وتنظيمي صارم وموحد، يرى منتقدون أن ثمة مؤشرات عن تفاوت في سرعة معالجة الطلبات.
ومن أبرز الحالات، كانت التي تخص المهاجم السويسري “بريل إيمبولو” الذي غادر المنتخب السويسري إلى الولايات المتحدة من دونه، بعد إخضاع تصاريح سفره الالكتروني لمراجعة إضافية من قبل السلطات الأمريكية.
و قال الاتحاد السويسري لكرة القدم إن اللاعب “غير قادر في الوقت الحالي على السفر إلى الولايات المتحدة مع الفريق، مؤكداً أنه يعمل مع السلطات المختصة لإيجاد حل سريع.
بعثة المنتخب السنغالي لكرة القدم لم تسلم هي الأخرى من الإهانة، حيث تعرض وفد المنتخب لإجراءات تفتيش مهينة عند وصولهم إلى أحد المطارات في الولايات المتحدة الأمريكية، استعداداً للمشاركة في البطولة، وشملت هذه الإجراءات تفتيش اللاعبين وأمتعتهم، بالإضافة إلى استجوابات مطولة عند وصولهم.
وأمام هذا الصلف الأمريكي، يظهر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في موقف العاجز أو المتواطئ، حيث يكتفي بغض الطرف عن هذه الانتهاكات التي تمس جوهر بطولته.
إن صمت “فيفا” المطبق وتخليه عن حماية كوادره ولاعبيه، مثل الحكم قرطان والوفد العراقي، يثبت أن الاتحاد الدولي يفضل مجاملة واشنطن وحماية مصالحه التجارية على حساب كرامة الرياضيين وعدالة المنافسة.
التعقيدات لا تقف فقط عند التبرير الأمني، فالقيود المالية والشروط التعجيزية التي فرضت على المشجعين والبعثات، ضاعفت التعنت الأمريكي، حيث فرضت الإدارة الأمريكية إجراءات مشددة امتدت لتشمل الجماهير والوفود المرافقة لبعض المنتخبات، خاصة الإفريقية.
فرضت السلطات الأمريكية، في البداية طلب سند مالي بقيمة 15,000 دولار كشرط للحصول على تأشيرة الدخول لزوار ومشجعي خمس دول إفريقية مشاركة (تشمل الجزائر، وتونس، وساحل العاج، والسنغال، والرأس الأخضر)، ورغم التراجع عن هذا القرار تحت الضغوط قبل أسابيع قليلة من البطولة، إلا أنه ترك انطباعًا بالتمييز والمعاملة غير المتكافئة.
وتتصاعد المخاوف لدى المنظمين والفرق من الدور المكثف الذي تلعبه وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) في تأمين المونديال، وسط تحذيرات من منظمات حقوقية مثل “منظمة العفو الدولية” من أن تؤدي هذه القبضة الأمنية المشددة إلى حوادث تمييز أو تضييق إضافي على اللاعبين والجماهير من خلفيات عرقية وثقافية معينة، وهي امتداد للمخاوف القديمة التي ظهرت عقب سوء التنظيم والتهجم الذي شهده نهائي كوبا أمريكا 2024 في ميامي.
إن هذه الأحداث تضع التزام الولايات المتحدة بتقديم نسخة مونديالية تسودها “الروح الرياضية والمساواة” تحت المجهر، حيث يرى مراقبون أن الإجراءات الأمنية والسياسية المبالغ فيها قد تفرغ البطولة من طابعها الاحتفالي العالمي وتحولها إلى ساحة للتضييق وفق توجهات سياسية وعنصرية.
إن استمرار هذه المضايقات أو غياب المرونة في التعامل مع البعثات الرياضية والجماهير من مختلف الجنسيات، قد يلقي بظلاله على النجاح الجماهيري للبطولة، ويحولها من عرس كروي عالمي يجمع الشعوب إلى منصة تعكس التوترات الجيوسياسية والتمييز الإداري. ويبقى الرهان الآن على قدرة “الفيفا” واللجان المنظمة على تدارك هذه الفجوات لضمان حماية كرامة ومكانة المشاركين، وإعادة البريق للروح الرياضية فوق أي اعتبارات أخرى.