أجبرت حدة المواجهات العسكرية الأخيرة مع إيران واشنطن على مراجعة حساباتها الدفاعية، بعدما كشفت الضغوط المتزايدة على منظومات “باتريوت” عن فجوة نادرة بين كلفة الإنتاج الباهظة ووتيرة الاستنزاف الميداني. وبينما كشفت التقارير عن استهلاك البنتاغون لقرابة نصف مخزونه الاستراتيجي من هذه الصواريخ، اتجهت شركات الدفاع الأمريكية الكبرى نحو إقامة شراكات جديدة وتطوير عمليات تصنيع مرنة لإنتاج بدائل اقتصادية كفيلة بمواجهة التحديات الجوية الحديثة.
اليوم السبت، كشفت وكالة بلومبرغ، أن شركات الصناعات الدفاعية الأمريكية الكبرى تسعى إلى إنتاج صواريخ أرخص وبوتيرة أسرع مع ما كشفته الحرب مع إيران عن الضغوط التي تتعرض لها مخزونات صواريخ الاعتراض الحيوية من منظومة باتريوت.
وأوضحت الوكالة أن شركات الدفاع الكبرى تعمل على إعادة تصميم بعض منتجاتها وتطوير عمليات التصنيع إلى جانب إقامة شراكات مع شركات أصغر بهدف توفير بدائل عن الصواريخ المتطورة للغاية والمعقدة والبطيئة الإنتاج والتي قد تتجاوز تكلفة الصاروخ الواحد منها 4 ملايين دولار.
وفي وقت سابق، كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” عن استخدام البنتاغون نحو 1500 صاروخ “باتريوت” اعتراضي منذ اندلاع الحرب، فيما لم يتبقَّ في مخزونه سوى أقل من 1700، في وقت طورت فيه إيران أسلوباً قتالياً من خلال هجمات متطورة اخترقت الدفاعات الجوية.
ووفق مصدرين مطلعين نقلت عنهما الصحيفة، لم تنتج الولايات المتحدة طوال عام 2023 سوى نحو 600 صاروخ اعتراضي من هذا النوع، فيما تبلغ قيمة الصاروخ الواحد “باتريوت” حوالي 4 ملايين دولار.
وأضافت الصحيفة أن حجم الاستنزاف ظهر خلال 5 أيام من الهجمات الإيرانية المكثفة على 3 قواعد أمريكية في الأردن الشهر الماضي، إذ أطلقت القوات الأمريكية في يوم واحد نحو 50 صاروخاً “باتريوت”، وفق مسؤولين أمريكيين.
ووفقاً للتقرير، استخدمت إيران، من بين أمور أخرى، صواريخ متطورة قادرة على تغيير مسارها فجأة، مما أجبر أنظمة الدفاع على إطلاق عدد كبير من الصواريخ الاعتراضية.
وكشفت الصحيفة أنه في اليوم الخامس، نجح صاروخ إيراني في تجاوز الدفاعات وضرب وحدات سكنية داخل إحدى القواعد في 17 يوليو، ما أدى إلى مقتل 3 جنود أمريكيين وإصابة أكثر من 100 آخرين.
تضع أزمة مخزون “باتريوت” واشنطن أمام واقع ميداني واقتصادي جديد، يفرض عليها الموازنة بين الحفاظ على التفوق التكنولوجي وتوفير بدائل منخفضة التكلفة وقابلة للتجديد السريع. وأمام تطوير إيران لتكتيكات هجومية قادرة على إجهاد شبكات الدفاع الجوي، لم يعد التحدي الأمريكي محصوراً في تطوير السلاح الأكثر دقة، بل في القدرة على استدامة المعركة خوضاً وإنتاجاً.
وبين التكلفة الباهظة التي تتجاوز أربعة ملايين دولار للصاروخ الواحد وبطء خطوط الإنتاج، تبدو الصناعات الدفاعية الأمريكية أمام اختبار حقيقي لإعادة هيكلة بيئة التصنيع العسكري؛ حيث لم تعد الاستراتيجيات الدفاعية القادمة تعتمد فقط على قوة الصاروخ الاعتراضي، بل على مدى سرعة تدفقه إلى ساحة الميدان.