المصدر الأول لاخبار اليمن

تكنولوجيا السلاح ودقة الرصد والإصابة.. أسرار التطور في عمليات صنعاء الأخيرة

تحليل | وكالة الصحافة اليمنية

لم تعد مشاهد الإعلام الحربي في قوات صنعاء مجرد توثيق لنتائج الضربات، بل باتت تقدم، بصورة متكررة، مؤشرات على تطور منظومة العمليات العسكرية، من الرصد وجمع المعلومات، مروراً بتحديد الأهداف واختيار السلاح المناسب، وصولاً إلى سرعة التنفيذ ودقة الإصابة.

وخلال الأيام الماضية، برز هذا التطور عبر مسارين متوازيين؛ الأول تمثل في استهداف التحشيدات والقيادات والآليات العسكرية التابعة للسعودية، والثاني في عمليات الدفاع الجوي التي تمكنت خلالها قوات صنعاء من إسقاط طائرات استطلاع مسلحة، في مشاهد تكشف عن قدرات متنامية في التعامل مع الأهداف البرية والجوية.

 

التحشيدات تحت الرصد

في مشاهد متتالية نشرها الإعلام الحربي، خلال الايام الماضية ظهرت عمليات استهداف لتجمعات وآليات عسكرية تابعة للسعودية في عدد من الجبهات، باستخدام وسائل هجومية مختلفة، بينها الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.

ومن أبرز هذه المشاهد، المقطع الذي نشره الإعلام الحربي أمس الأحد، ووثق استهداف اجتماع ضم عدداً من قيادات التحشيدات التابعة للسعودية، بصاروخ باليستي محلي الصنع ، والذي يُظهر إصابة الاجتماع بدقة، ومقتل القيادات المجتمعة وتدمير الآليات التي كانت موجودة في الموقع المستهدف.

أهمية هذه العملية لا تكمن فقط في النتيجة، وإنما في طبيعة التسلسل الذي سبقها؛ فاستهداف اجتماع لقيادات عسكرية يتطلب رصداً للهدف، وتحديداً لموقعه، وتثبيتاً للإحداثيات، ثم اختيار التوقيت المناسب للتنفيذ ، وهنا تظهر إحدى أبرز سمات العمليات التي توثقها المشاهد: الانتقال السريع من المعلومة إلى الاستهداف.

المعادلة نفسها ظهرت في المشاهد التي نشرها الإعلام الحربي لاستهداف شاحنات محملة بالعتاد العسكري، قادمة من الأراضي السعودية إلى معسكر الوديعة، بصواريخ باليستية مناسبة محلية الصنع.

وتظهر المشاهد لحظة إصابة الشاحنات وانفجارها واحتراقها، بما يعكس قدرة قوات صنعاء على رصد، واستهداف خطوط الإمداد والتحشيد، وهو ما يعني أن منظومة الرصد والاستهداف لدى قوات صنعاء باتت قادرة على ملاحقة التحشيدات منذ لحظة تحركها، وليس فقط بعد وصولها إلى مواقع الانتشار، بما يتيح ضربها في مراحل مبكرة وتعطيل جزء من قدرتها على الإمداد والتحرك ، فيما يكتسب تنفيذ العملية بصاروخ باليستي متشظٍ واحد، رغم تباعد الشاحنات المستهدفة، دلالة إضافية، إذ يشير إلى امتلاك صنعاء أسلحة تتمتع بقدرات تدميرية وتأثيرية عالية، وقادرة على توسيع نطاق الإصابة وإحداث أضرار متتابعة في أكثر من هدف ضمن منطقة الاستهداف، وهو ما يرفع من فاعلية الضربة ويضاعف أثرها على التحشيدات وخطوط الإمداد.

 

تطور المنظومة العملياتية 

ونشر الإعلام الحربي خلال الأيام الماضية مشاهد لعمليات نفذتها قوات صنعاء ضد تجمعات وآليات عسكرية تابعة للسعودية في عدد من الجبهات، باستخدام طائرة رجوم المسيّرة.

وأظهرت المشاهد دقة الإصابات، إلى جانب تدمير عدد من الآليات وسقوط قتلى وجرحى في صفوف المسلحين التابعين للسعودية.

وتكتسب هذه المشاهد أهميتها من طبيعة الأهداف التي جرى التعامل معها؛ إذ لم تقتصر على تجمعات كبيرة أو مواقع واسعة، وإنما شملت تجمعات أصغر وآليات عسكرية في مواقع متقدمة، وهو ما يعكس مستوى مرتفعاً من دقة الرصد والقدرة على تحديد الإحداثيات والتمييز بين الأهداف، ثم توجيه السلاح نحوها في التوقيت المناسب.

إضافة الى ذلك أن القدرة على استهداف آليات وأهداف صغيرة نسبياً في مواقع متقدمة تعني أن منظومة الاستطلاع والاستهداف لا تعتمد فقط على معرفة مناطق الانتشار العامة، بل تمتلك، وفق ما تظهره المشاهد، قدرة على متابعة تفاصيل الحركة الميدانية وتحديد الأهداف ذات القيمة العملياتية حتى في نطاقات أكثر محدودية.

ويعزز ذلك دلالة امتلاك صنعاء أسلحة وتقنيات قادرة على التعامل مع هذا النوع من الأهداف بدقة؛ فكلما صغر الهدف وازدادت صعوبة الوصول إليه، ارتفعت الحاجة إلى رصد أكثر دقة، ومعالجة أفضل للمعلومات، وسلاح يتمتع بقدرة مناسبة على إصابة الهدف.

وبذلك، تكشف مشاهد “رجوم” جانباً آخر من تطور المنظومة العملياتية، يتمثل في الانتقال من استهداف الأهداف الكبيرة إلى القدرة على ملاحقة الأهداف الأصغر والآليات في المواقع المتقدمة، وضربها بدقة، وباستخدام وسيلة تسليحية تتناسب مع طبيعة الهدف.

 

تطور منظومة الدفاع الجوي

وفي موازاة عمليات الاستهداف البرية، تكشف عمليات إسقاط الطائرات عن تطور لافت في منظومة الدفاع الجوي لدى قوات صنعاء، سواء على مستوى رصد الأهداف الجوية أو امتلاك الوسائل التسليحية القادرة على التعامل معها.

فخلال الساعات الماضية، أعلنت قوات صنعاء إسقاط طائرة استطلاع مسلحة من نوع CH-4 تابعة للسعودية، أثناء قيامها بمهام عدائية في أجواء محافظة الجوف.

ووفق ما أعلنه متحدث قوات صنعاء الرسمي العميد يحيى سريع فإن الطائرة هي الثانية من النوع نفسه التي يتم إسقاطها خلال 12 ساعة، والرابعة خلال 24 ساعة ، حيث اسقطت قوات صنعاء طائرتين من نوع وينق لونق 2 .

وتكرار إسقاط هذه الانواع من الطائرات خلال فترة زمنية قصيرة يعكس، تطوراً في قدرة الدفاع الجوي لقوات صنعاء على رصد الأهداف الجوية والتعامل معها، إلى جانب امتلاكها أسلحة مناسبة تمكنه من اعتراضها وإسقاطها.

وتزداد أهمية ذلك بالنظر إلى طبيعة الطائرات الاستطلاعية المسلحة، التي تتحرك في المجال الجوي لجمع المعلومات وتنفيذ مهامها، ما يجعل التعامل معها يتطلب منظومة قادرة على اكتشافها وتتبعها والاستجابة لها في الوقت المناسب..

وبذلك، لا تقتصر دلالة عمليات الإسقاط على نجاح عملية دفاعية منفردة، وإنما تكشف عن تطور متزامن في الرصد والإنذار والاستجابة والتسليح، بما يعزز قدرة صنعاء على حماية أجوائها والتعامل مع وسائل الاستطلاع والهجوم الجوي.

 

 

ماذا تكشف عمليات صنعاء 

إن تتابع هذه العمليات، براً وجواً، يكشف عن تحول في طبيعة الأداء العملياتي لقوات صنعاء؛ فلم تعد المسألة مرتبطة بامتلاك السلاح وحده، وإنما بالقدرة على ربط الرصد بالمعلومة، والمعلومة بالسلاح، والسلاح بالهدف في التوقيت المناسب ،فاستهداف القيادات والتحشيدات وخطوط الإمداد، والوصول إلى التجمعات الأصغر والآليات في المواقع المتقدمة، بالتوازي مع إسقاط طائرات الاستطلاع المسلحة، يعكس منظومة باتت قادرة على التعامل مع أهداف مختلفة وبوسائل متعددة، مستفيدة من تطور تقنيات الرصد والاستطلاع وتحديد الأهداف، ومن أسلحة متخصصة تتناسب مع طبيعة كل هدف.

وبذلك، فإن القيمة العسكرية لهذه المشاهد لا تكمن فقط في نتائج الضربات، وإنما في ما تكشفه من قدرة على اكتشاف الهدف، تحديده، اختيار الوسيلة المناسبة، وتنفيذ الضربة بدقة وسرعة؛ وهي عناصر تجعل التحشيدات أكثر عرضة للرصد والاستهداف، وتمنح قوات صنعاء قدرة أكبر على التأثير في حركة القوات والإمداد والاستطلاع.

ومن هنا، فإن التطور الأبرز الذي تعكسه هذه العمليات يتمثل في انتقال صنعاء من مجرد امتلاك وسائل قتالية متطورة إلى توظيفها ضمن منظومة عملياتية متكاملة، يكون فيها التفوق في المعلومة وسرعة الاستجابة ودقة الإصابة عوامل أساسية في فرض إيقاع المعركة والتحكم بمساحة الحركة في البر والجو.

 

قد يعجبك ايضا