في حين تحاول الرياض إظهار أنها ما زالت قوية بتمسكها بالتصعيد في اليمن، ترسم تقارير الصحف ووسائل الإعلام الغربية صورة مأزق الرياض المتعدد الأبعاد في الحرب مع اليمن، وهو ما تؤكده مواصلة طلبها التدخل الأمريكي، في وقت يرفض فيه ترمب حتى اللحظة الانخراط المباشر، بينما يزداد الضغط على السعودية، سواء في عمقها وعلى اقتصادها ومنشآتها النفطية، أو في الداخل اليمني، مع تقدم قوات صنعاء في مناطق استراتيجية جديدة على حساب تراجع المسلحين التابعين للسعودية، وسط صعوبة واضحة أمام الرياض في وقف هذا التقدم.
وفي أحدث التطورات الميدانية، تقول “رويترز” إن قوات صنعاء دفعت باتجاه السيطرة على مرتفعات استراتيجية بهدف قطع الطريق بين الساحل الغربي والمناطق التي لا تزال تحت سيطرة القوات المدعومة سعوديًا، والتي بقيت، بحسب التقرير، في وضع دفاعي إلى حد كبير بعد خسارة منطقة باب المندب.
هذا التقدم الميداني يضع الرياض أمام معضلة متزايدة، خصوصًا مع فشل الغارات الجوية في وقف التحولات على الأرض، لتنتقل السعودية مجددًا إلى طلب الدعم الأمريكي؛ إذ تكشف “رويترز” عن مناشدات متكررة من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لترمب من أجل الانضمام إلى القتال في اليمن.
وفي تطور يكشف حجم الاستجداء السعودي لواشنطن، نقلت “رويترز” عن “نيويورك تايمز” أن إدارة ترمب كانت قد استعدت، الأحد، لتنفيذ ضربات جوية ضد قوات صنعاء بعد مناشدات سعودية جديدة، قبل أن يتراجع ترمب ويلغي الضربات في اللحظة الأخيرة، مع تأكيد رويترز أنها لم تتمكن من التحقق مستقلًا من رواية نيويورك تايمز.
وتقدم “الغارديان” تفاصيل إضافية عن هذه الواقعة، مشيرة إلى أن ترمب غيّر موقفه بينما كانت الاستعدادات قد وصلت إلى مرحلة متقدمة، في مؤشر على أن قرار واشنطن بالتدخل لم يكن محسومًا.
ما أوردته “نيويورك تايمز” و” الغارديان” بشأن التراجع الامريكي، يعكس تردد إدارة ترمب في التورط في اليمن مجدداً ، خصوصًا في ظل تجربة التدخل الأمريكي السابقة خلال معركة طوفان الأقصى، عندما نفذت واشنطن حملة عسكرية ضد قوات صنعاء بهدف إسناد الاحتلال الإسرائيلي، حيث اضطرت واشنطن لوقف العملية وطلب الاتفاق مع صنعاء على وقف إطلاق النار، وتعيد هذه التجربة، تشكيل حسابات واشنطن تجاه أي تدخل أمريكي جديد في اليمن.
في المقابل، ترصد “واشنطن بوست” حجم الضغوط التي تتعرض لها السعودية، مشيرة إلى أن الهجمات طالت قواعد عسكرية ومنشآت للطاقة، بالتزامن مع السيطرة على مناطق استراتيجية على ساحل البحر الأحمر، فيما لم يقدم ترمب تدخلاً عسكريًا استجابة لهذه التطورات ، ونقلت الصحيفة عن مسؤولين في الحكومة التابعة للسعودية في اليمن أن طلبات المساعدة من واشنطن لم تلقَ استجابة.
ووفق “واشنطن بوست” فانه حتى التدخل الجوي مع الرياض لن يغير المعادلة باعتبار إن سنوات من الغارات الجوية السعودية والأمريكية والبريطانية و”الإسرائيلية” لم تنجح في إيقاف قوات صنعاء، بل خرجت الأخيرة من سنوات الحرب أكثر قوة.
وهكذا، ترسم التقارير الغربية صورة مأزق متعدد الأبعاد أمام الرياض: تصعيد جوي لم يحسم المواجهة، تراجع للقوات المدعومة سعوديًا في مناطق استراتيجية، ضغوط على المنشآت والطاقة والاقتصاد، وتقدم لقوات صنعاء، بالتزامن مع مناشدات سعودية متكررة لواشنطن لم تتحول إلى تدخل أمريكي مباشر.
في المقابل، يبدو أن المأزق لا يقتصر على الرياض وحدها؛ فترمب نفسه يواجه معضلة بين الاستجابة لمناشدات الرياض وبين تجنب الانخراط في جبهة يمنية جديدة، وهي معضلة تظهر بوضوح في قرار الاستعداد للضربات ثم إلغائها في اللحظات الأخيرة ، هذا إذا كان هذا صحيحا ، لان تصريحات ترمب المتكررة تؤكد انه لا يريد التورط مجدداً في اليمن .