المصدر الأول لاخبار اليمن

باحث مصري : المصالحة الخليجية في قمة العلا كانت مع تركيا وتوابعها

متابعات // وكالة الصحافة اليمنية //

تطرق الباحث المصري في الشؤون السياسية والأستراتيجية “أحمد عزالدين” في تحليله تحت عنوان” قمة الانقلاب الإستراتيجي في الإقليم (ج1)” إلى المصالحة الخليجية مع قطر في قمة العلا، معتبرا لها مصالحة خليجية مع تركيا وتوابعها وليس مع قطر في إطار السياسية الامريكية الأخيرة في الاقليم.

 

نص التحليل (1)

يعتريك إحساس بالمهانة وأنت تتابع مضطرا بعضا من هذه التعليقات ، التي تجري على ألسنة أكثر الوجوه حضورا مستداما على شاشات الإعلام المصري ، حول القمة الخليجية ( قمة العلا ) فقد يبدو لك أن مصر قد غدت بدنا بغير قلب ، وأن عليها أن تصمت دون تعليق على ما يبدو جحودا بدورها ، وطمسا لرسالتها ، واستلابا لأمنها ، ونكرانا لما حملته فوق أكتافها ، وهو فوق الطاقة والاحتمال .

لقد بذل أحد مقدمي البرامج الرئيسية وهو رئيس لتحرير إحدى الصحف ، جهدا محموما ليروج لرسالة زائفة عن نتائج أعمال القمة ، فقد عزا بعض المعلومات التي انتشرت في بعض وسائل الإعلام إلى غياب البيان الكامل للقمة ، الذي انفرد بحضوره معه ، مدللا على مكانة مصر كما انعكست في البيان بفقرة يتيمة ، اختصها به متجاهلا 116 فقرة أخرى تضمنها البيان ، معتبرا أنها مجرد محددات للسياسة الخارجية لدول الخليج التي لا شأن لمصر بها ، وهو أمر أحسب أنه يخرج من حدود التجهيل والتزييف ، إلى حدود التبعية الفكرية والإعلامية .
لماذا ؟
أولا : من واقع البيان الكامل نفسه ، فإن الفقرة المذكورة التي تناولت شيئا عن مصر ، جاء ترتيبها في فقرات التقرير برقم 98 ، وقد استبقتها 97 فقرة ، لم تخلو دولة في الإقليم أو حول محيطاته الممتدة غربا وشرقا من ذكرها ، بما في ذلك حتى الإشادة والترحيب بتمدد الدور البريطاني الاستعماري عسكريا في أنحاء الإقليم ، وإذا كان التقرير من أوله إلى آخره يتضمن 117 فقرة ، فإن وضع مصر في هذا الترتيب لا يعطي انطباعا إيجابيا بالمرة ، لما يراد لمصر وزنا ودورا ومكانة .

ثانيا : أن الفقرة اليتيمة المذكورة نفسها ، التي تم الاستدلال بها على ما منحه البيان لمصر من إشادة ودعم واستقرار ، تضمنت في صلبها إشارة إلى الموقف من سد النهضة ، وهو موقف مجرد من أي دعم ، ومناهض لأي استقرار ، فلم يغسل النص يد دول الخليج من أي مسئولية قومية تجاه موضوع السد فحسب ، بل غسل ألسنتها أيضا ، فقد ساوى بين أطراف الأزمة ، بين الحقوق التاريخية الثابتة وبين العدوان عليها ، ولم يجد ما يشيد به غير أدوار مبهمة للحل ، لا تبدو قائمة ولا هي موصولة به أو بها .

مع ذلك فإنني أريد أن أبدأ من النظرة الكلّية قبل الدخول في التفاصيل ، أي من ( تقدير الموقف ) الخاص بالقمة كما أراه ، وهو أن القمة تمثل توجها مدروسا لاستكمال عملية الانقلاب الاستراتيجي الشامل في أوضاع الإقليم بمراحلها المتتالية والتي بدأت بضرب العراق ، وأنها تمثل تحديدا قمة الإستراتيجية الغربية المضادة للإقليم ، وليس في ذلك أي قدر من المبالغة أو المزايدة ، رغم كل تلك التعليقات والتحليلات والبيانات البائسة التي سعت بسوء نية أو بسوء فهم أو بهما معا ، إلى تسكين القمة في إطار دائرة محدودة مغلقة هي ( المصالحة ) مع قطر .

ربما لذلك يبدو إجلاء التوجه الإستراتيجي للقمة أكثر وضوحا وتحديدا مما تضمنته المفردات الصريحة في بيانها ، إذا رصدنا بعضا من البنود الهامة التي اختفت من البيان ، أو ( المسكوت عنه ) في البيان بلغة منهج آخر :
أولا : لم يشر البيان لا بالتصريح ولا بالتلميح ولا بالرمز ، إلى الاحتلال والتواجد التركي في أي من الدول العربية ، فهو لم ير أثرا له في ليبيا ، ولا قواعد له في شمال العراق ، وكما تعامى غن قاعدة عسكرية تركية جرى مضاعفتها مساحة وجنودا مرتين في قطر ، فقد غض البصر تماما عن قواعد الاحتلال العسكري التركي في سوريا ، سواء في غرب الفرات أو في شرقه .

ثانيا : لم يتضمن البيان إشارة واحدة ولو مضمرة إلى نزعة التوسع التركي في الإقليم ، سواء باستخدام القوة العسكرية ، أو التهديد أو التلويح باستخدامها ، بما في ذلك التوسع في توظيف واستخدام التنظيمات والعناصر الإرهابية وصولا إلى دوره في إثارة التوتر وإشعال فتائل المواجهات العسكرية في شرق المتوسط .

ثالثا : عندما أدان البيان الإرهاب فقد عمد إلى أن يدين إرهابا لا اسم له ، ولا كيان له ، ولا مكان لتواجده ، فهو إرهاب فضفاض ، ولهذا فالمسمى الوحيد الذي يمكن أن يطبّق عليه الوصف ، وتتم بشأنه الإدانة هو المجموعات الإيرانية المسلحة التي تساند الجيش السوري في مواجهة الفصائل الإرهابية هناك ، أما هذه الفصائل الإرهابية ذاتها التي تتشارك في تدمير سوريا وتحطيم كيانها وقتل شعبها ، سواء جبهة النصرة أو هيئة تحرير الشام أو غيرها ، فلا مسمى لها ولا توصيف ولا تحديد ولا إدانة .

والأمر نفسه فيما يتعلق بالفقرة اليتيمة التي نطق البيان بها باسم مصر ، فلا فصائل إرهابية قرب حدودها الغربية ، ولا إرهابا منظما تواجهه في شبه جزيرة سيناء ، لا مكانا ولا اسما ولا كينونة ، ربما خشية أن تُستدعى قطر أو تركيا أو غيرها إلى جملة مفيدة في حدود التحديد أو الإدانة .

رابعا : سكت البيان سكوتا مطلقا عن جماعة الإخوان المسلمين ، فهذا الكيان المسمى بهذا الاسم لا وجود له ، ولا حضور له في البيان ، وكأنه ليس جزءا عضويا من دراما العنف والإرهاب باتساع الإقليم وعمقه .
ولهذا لا تستطيع أن تجد تفسيرا خارج هذا النطاق لصدور بيان تركي مؤيد لبيان القمة ، ولصدور بيان تال من حماس مؤيد له ، بل وفي صدور بيان من جماعة الإخوان المسلمين باستعدادها لمصالحة مشروطة مع الدولة المصرية ، وكأن الطريق قد أصبح مفتوحا أمامها بالقوة الخليجية التركية .

خامسا : ليس ثمة اشتباك لفظي واحد في البيان مع كائن مازال يتنفس اسمه الجامعة العربية ، باعتبارها التعبير المؤسسي عن النظام الإقليمي العربي ، بل ولا إشارة حتى إلى هذا النظام مع تغييب الجامعة ، فالبيان لم يتجاهل فقط الجامعة العربية ، ولكنه تجاهل كليا النظام الإقليمي العربي ، وكأن المجموعة الخليجية قد أصبحت وحدها الوريثة الوحيدة لهذا النظام وبديله ومرجعيته الحاكمة ، وضابط توجهاته ، وما دون ذلك فعليه أن يتقبل راضيا تهميشه وإلغاء دوره ، والشطب على مكانته .

لماذا يبدو الخليج إذا بقمته وبيانه كأنه غدا كوكبا منفردا يستدير في اتجاه آخر ؟
هل ذلك ما ينطق به ما أُسمي المصالحة مع قطر ، لا أحسب الأمر كذلك ، وحتى إذا اعتبرنا كلمة المصالحة ، هي تعبير جانبي عن الحالة ، فإن المصالحة جوهريا ليست مع قطر ، وإنما مع تركيا ومعها كل توابعها ، بما في ذلك قطر ذاتها ، في إطار المرحلة الأخيرة في الإستراتيجية الأمريكية .

 

#الباحث في الشؤون السياسية والمصرية أحمد عزالدين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.