لم تعد الحرب “الإسرائيلية” المستمرة على قطاع غزة مقتصرة على الإبادة الجسدية عبر القتل والدمار، بل امتدت لتطال جانباً آخر لا يقل خطورة، وهو الإبادة المعرفية التي تستهدف جيلاً كاملاً بحرمانه من حقه الأساسي في التعليم ، هذا الحرمان، المستمر للعام الثالث على التوالي، ينذر بضياع مستقبل آلاف الأطفال وتهديد البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع الفلسطيني بأسره .
وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” أوضحت أن أكثر من 660 ألف طفل في غزة ما زالوا خارج مقاعد الدراسة للسنة الثالثة على التوالي، في ظل حرب الإبادة التي تتعرض لها المنطقة منذ 23 شهراً.
وأضافت” في بيان صحفي اليوم أن الحرب في غزة “هي حرب على الأطفال ويجب أن تتوقف ، محذرة من أن الأطفال في غزة “مهددون بأن يصبحوا جيلًا ضائعًا .
تدمير ممنهج
وحسب احصائيات التربية والتعليم العالي الفلسطينية التي أعلنت اليوم بدء العام الدراسي في الضفة المحتلة فأن ما يقارب 96% من المباني المدرسية في غزة تعرضت لأضرار جسيمة نتيجة القصف “الإسرائيلي” المباشر، بينما خرجت 89% من المدارس عن الخدمة كلياً أو جزئياً، وباتت تحتاج إلى تدخلات إنشائية كبيرة قبل أن تعود قادرة على استقبال الطلبة من جديد .
ومنذ بدء حرب الإبادة الجماعية، استشهد في قطاع غزة أكثر من 17 ألفا و85 طالبا مدرسيا ،وما يزيد عن ألف و261 طالبا جامعيا، وأصيب أكثر من 25 ألفا و213 طالبا مدرسيا، وألفين و671 طالبا جامعيا، وفق أحدث إحصائيات الوزارة للفترة بين 7 / أكتوبر 2023 و26 أغسطس 2025
وعن استهداف الكوادر التعليمية، أوضحت الوزارة أن “إسرائيل” قتلت 739 كادرا من المرحلة المدرسية و226 من المرحلة الجامعية بغزة، وأصابت 3 آلاف و91 شخصا من المرحلة المدرسية وأكثر من ألف و421 من المرحلة الجامعية .
انعكاسات خطيرة
إن استمرار تعطيل التعليم لا يهدد فقط برفع نسب الأمية وفقدان المهارات الأساسية لدى الأطفال، بل يترك انعكاسات خطيرة على الصعيد النفسي والاجتماعي. فالمدرسة ليست مجرد مكان لتلقي المعرفة، بل هي مساحة للحماية والدعم النفسي والاجتماعي، وحرمان الأطفال من هذه البيئة يزيد من آثار الصدمات التي يعيشونها يومياً .
كما أن غياب التعليم يعني تدمير المستقبل الاقتصادي للمجتمع الغزي، إذ يفقد الجيل القادم أدواته الأساسية للانخراط في سوق العمل والمساهمة في بناء اقتصاد محلي مستدام ،وبهذا يصبح تعطيل التعليم وسيلة ممنهجة لضرب الركيزة الأساسية لأي مجتمع، وهي رأس ماله البشري.
إن ما يجري اليوم في غزة لا يمكن اعتباره مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل يبدو أقرب إلى سياسة متعمدة تهدف إلى محو الذاكرة والهوية الفلسطينية عبر تعطيل المؤسسات التعليمية وتدمير بنيتها التحتية، إنها إبادة معرفية تُكمل مشهد الإبادة الجسدية، لتضمن – في حال استمرارها – إلغاء جيل كامل من دائرة الفعل والإبداع والمستقبل.
أمام هذا الواقع، تبدو الحاجة ملحة إلى تحرك عاجل من المجتمع الدولي لإعادة إعمار المدارس وضمان وصول الأطفال في غزة إلى حقهم الطبيعي في التعليم ،فحرمان جيل كامل من المعرفة لا يقل خطورة عن حرمانه من الحياة، وكلاهما يقود إلى النتيجة ذاتها: إبادة جماعية، ولكن بأشكال متعددة.