المصدر الأول لاخبار اليمن

لماذا تخلت الولايات المتحدة عن “قسد” في سوريا ؟

سوريا | وكالة الصحافة اليمنية

تعكس المواقف الأميركية الأخيرة تحوّلًا استراتيجيًا في مقاربة واشنطن للملف السوري، يقوم على التخلي التدريجي عن أدواتها الميدانية التي استخدمتها طوال السنوات الماضية، وفي مقدّمتها ما يسمى بقوات سوريا الديمقراطية “قسد”، وذلك بعد أن باتت ترى أنّ وجود هذه الأداة لم يعد ضرورة في ظل وجود حكومة سورية قادرة على تنفيذ الرؤية الأميركية وإدارة المرحلة بما ينسجم مع التوجيهات الأميركية.

تصريحات المبعوث الأميركي توم برّاك اليوم  شكّلت أوضح إشارة إلى هذا التحوّل، إذ أقرّ بأنّ “الحكومة السورية”  أصبحت مؤهلة لتولي كامل المسؤوليات الأمنية، بما في ذلك إدارة مراكز احتجاز تنظيم “داعش”.

هذا الإقرار لا يمكن فصله عن القناعة الأميركية بأنّ دمشق، بصيغتها السياسية الحالية، باتت قادرة على القيام بالدور الذي كانت “قسد” تؤديه سابقًا، ولكن من دون الحاجة إلى كيان عسكري منفصل أو أداة محلية مكلفة سياسيًا وأمنيًا.

واشنطن، التي كانت تعتمد على “قسد” كذراع ميدانية لتنفيذ أجندتها في شمال وشرق سوريا، باتت ترى أنّ هذا الدور “انتهى إلى حدّ كبير”، وفق تعبير برّاك نفسه، مع تغيّر المشهد السياسي ووجود “حكومة الشرع ” التي تتعاطى بمرونة مع المطالب الأميركية في كافة المجالات .

وفي هذا السياق، يصبح الحديث الأميركي عن عدم الرغبة في وجود عسكري طويل الأمد في سوريا انعكاسًا مباشرًا لتبدّل الأدوات، لا لتبدّل الأهداف، فالولايات المتحدة لا تنسحب لأنّ مصالحها تراجعت، بل لأنها باتت ترى أنّ هذه المصالح يمكن تحقيقها عبر حكومة سورية تنفّذ الرؤية الأميركية وتلتزم بالتوجيهات السياسية والأمنية المطلوبة، من دون الحاجة إلى قوات موازية مثل “قسد”

الدور الأميركي في تسهيل اتفاق الاندماج بين دمشق و“قسد” في 18 يناير يأتي ضمن هذا الإطار، إذ تسعى واشنطن إلى إنهاء وظيفة “قسد” كأداة مستقلة، وتحويلها إلى مكوّن منضبط داخل مؤسسات الدولة السورية، بعد أن أدّت دورها الوظيفي. فالدمج في وزارة الدفاع وتسليم البنى التحتية، بما فيها مرافق احتجاز “داعش”، يعني عمليًا نقل المهام من الأداة إلى الدولة، تحت إشراف وتوافق أميركي.

كما أنّ دعوة برّاك الكرد إلى الاندماج في الدولة السورية الجديدة، والتحذير من مخاطر “الصيغة المنفصلة”، يعكس إدراكًا أميركيًا بأنّ استمرار “قسد” ككيان مستقل لم يعد يخدم الاستقرار الذي تريده واشنطن، بل قد يتحوّل إلى عبء أو عامل توتير غير مرغوب فيه.

ميدانيًا، تواكب هذه الرؤية الأميركية تفاهمات مباشرة بين دمشق و“قسد” حول محافظة الحسكة، تقوم على الدمج التدريجي، وتحديد أدوار أمنية محلية، وإشراك قيادات “قسد” في مؤسسات الدولة، وهي تفاهمات توحي بأنّ واشنطن انتقلت من مرحلة إدارة الصراع عبر الأدوات، إلى مرحلة إدارة النتائج عبر حكومة الشرع .

في الخلاصة، يمكن القول إنّ الولايات المتحدة لا تغادر سوريا، بل تغيّر أدواتها، ومع ظهور حكومة سورية تتبنّى مسارًا منسجمًا مع الرؤية الأميركية وتنفّذ التوجيهات المطلوبة، لم تعد “قسد” ضرورة استراتيجية، بل أداة انتهت صلاحيتها، يجري اليوم تفكيك دورها وإعادة دمجها، في إطار إعادة ترتيب المشهد السوري بما يخدم المصالح الأميركية بأقل كلفة ممكنة .

قد يعجبك ايضا