المصدر الأول لاخبار اليمن

ما قبل الحرب الكبرى: كيف تتشكل معادلة الردع الجديدة حول لبنان؟

عبدالكريم مطهر مفضل/وكالة الصحافة اليمنية

 

 

لم تعد المؤشرات العسكرية والسياسية في المنطقة تُقرأ كحوادث منفصلة، بل كسلسلة حلقات في مشهد واحد يتشكل ببطء. فالتصريحات، وإعادة الانتشار العسكري، وحركة الإمداد العابرة للحدود، والمناورات والاختبارات الميدانية المحدودة.. جميعها ترسم ملامح مرحلة مختلفة: مرحلة لا تقوم على منع الحرب فقط، بل على جعل كلفتها غير قابلة للحساب.

هذا التحول يضع لبنان قبل إيران في قلب معادلة جديدة، حيث لم يعد أي تصعيد “إسرائيلي” محتمل يُقاس بحدوده الجغرافية، بل بقدرته على فتح مسارح متزامنة.

في السياق، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي اللبناني الدكتور ميخائيل عوض في حديث خاص لوكالة الصحافة اليمنية: أن لبنان، في حال انزلاقه إلى مواجهة مفتوحة، لن يكون ساحة معزولة أو وحيدة في الميدان، بل جزءًا من مشهد صدامي أوسع تتحرك فيه الجبهات بوصفها وحدة واحدة.

ووفق عوض، فإن إيران والعراق واليمن يشكّلون عمقًا استراتيجيًا متشابكًا مع الساحة اللبنانية، بما يحوّل أي استهداف واسع للبنان إلى مواجهة متعددة المسارات، لا يمكن احتواؤها ضمن حدود جغرافية أو زمنية ضيقة.

 

جبهة واحدة.. لا ساحات منفصلة

تُظهر قراءة أنماط التحرك خلال الأشهر الأخيرة أن القوى الحليفة لإيران لم تعد تتعامل بمنطق “الدعم السياسي” أو “الإسناد الرمزي”، بل بمنطق الترابط العملياتي.

شبكات الإمداد اللوجستي، وتوحيد قنوات الاتصال، وتبادل الخبرات القتالية، كلها مؤشرات على انتقال تدريجي من نموذج مسرح المواجهة الفردية إلى نموذج منظومة توحيد الجبهات.

ووفق ما يتوفر من معطيات معركة طوفان الأقصى، فإن أي مواجهة واسعة في لبنان لن تبقى محصورة جنوبًا، بل يُرجح أن تترافق مع ضغط متدرج من جبهات أخرى بدرجات متفاوتة، بهدف تشتيت القدرة العسكرية “الإسرائيلية” ومنع تركيز القوة في مسرح واحد.

بعبارة عسكرية: لم يعد السؤال هل ستفتح جبهات أخرى؟ بل كم جبهة ستفتح وبأي توقيت؟

في هذا السياق، يقول العميد محمد الشريف، مستشار وزارة الدفاع في صنعاء، لوكالة الصحافة اليمنية: إن ما جرى منذ عملية طوفان الأقصى يعكس انتقال المواجهة من الإطار المحلي إلى مسار إقليمي مترابط، موضحًا أن توجيهات عليا صدرت مبكرًا لقوات صنعاء بالانخراط في دعم ساحات القتال المرتبطة بالصراع العربي-الصهيوني الأمريكي، وهو ما تُرجم  إلى هزيمة البحرية الأمريكية في معركة البحر الأحمر، وعمليات عسكرية وضغوط ميدانية واقتصادية امتدت إلى العمق “الإسرائيلي” في فلسطين المحتلة.

ويضيف الشريف، أن الموقف، لا يرتبط بمرحلة زمنية محددة بل باستراتيجية طويلة المدى، مشيرًا إلى استعداد قوى المحور للدخول في جولات صراع أوسع إذا اتسعت دائرة المواجهة إقليميًا، بما في ذلك أي تصعيد يستهدف إيران أو حزب الله أو دولًا أخرى في المنطقة.

 

حزب الله: إعادة بناء لا استنزاف

رغم الرهانات “الإسرائيلية” المتكررة على إنهاك حزب الله، تشير المعطيات إلى مسار معاكس.

فقد أكد أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم أن الحزب استطاع ترميم نفسه وهو ما تؤكده وسائل الإعلام العبري عن مصادر عسكرية “إسرائيلية” جراء متابعة للحركة العسكرية “الإسرائيلية” على الحدود اللبنانية والتي تتحدث عن ثلاث عمليات متزامنة: “إعادة تنظيم الوحدات القتالية، خصوصًا النخبوية – تحديث منظومات الدفاع الجوي والإنذار المبكر – إعادة هيكلة الاتصالات الميدانية ومسارات الإمداد”.

هذه الإجراءات لا تعكس استعدادًا لحرب خاطفة، بل لسيناريو طويل قائم على الاستنزاف المتبادل.

في لغة الميدان، يعني ذلك أن الرهان على حسم سريع خلال أيام بات أقل واقعية، لأن بنية القيادة والسيطرة مصممة للاستمرار تحت الضغط لا لتفاديه.

 

الاحتلال واختبار الهامش

في المقابل، لا يبدو كيان الاحتلال الإسرائيلي متجهاً فورًا إلى حرب شاملة، بل إلى اختبار تدريجي للهامش – كما يحدث الآن – من خلال تنفيذ ضربات محدودة، رسائل نارية محسوبة، واستهدافات تكتيكية لا تصل إلى مستوى الانفجار الكبير.

هذا السلوك يعكس معضلة استراتيجية: التصعيد قد يفرض مواجهة متعددة الجبهات، التراجع قد يرسخ معادلة ردع جديدة، لذلك يتحول الميدان إلى مساحة “قياس أعصاب” أكثر منه ساحة حسم عسكري.

يرى ميخائيل عوض، أن الصراع في المنطقة دخل مرحلة الحرب المركّبة، وهي حرب لا تُدار بالمواجهة المباشرة فقط ولا تُحسم بالجبهات التقليدية، بل تعتمد على تفكيك الخصم من الداخل.

وأضاف: “الحرب المركّبة تشمل (الإعلام كسلاح، الاقتصاد كساحة،

الانقسامات الاجتماعية كمسرح، والاختراقات الأمنية كأداة حاسمة) إضافة إلى المسارح الثانوية (العراق، لبنان، سوريا سابقًا)”.

 

 

من الرد الرمزي إلى الرد المنظومي

التغير الأبرز في البيئة الإقليمية هو الانتقال من الرد المحدود إلى الرد المتكامل.

المعادلة القديمة كانت تقوم على احتواء الضربات المتبادلة ضمن نطاق ضيق، أما الآن فتقوم على توسيع دائرة الكلفة عند تجاوز خطوط معينة.

المؤشرات العملياتية – من طبيعة الردود، وتوقيتها، ونطاقها – توحي بأن أي مواجهة واسعة لن تُدار كحرب حدود، بل كصراع إقليمي منخفض الوتيرة مرتفع الاستنزاف.

 

الردع بالصبر لا بالنار

المعادلة الجديدة لا تعتمد فقط على عدد الصواريخ أو حجم الضربات، بل على القدرة على الاستمرار: من يصمد أطول يفرض شروطه.

لذلك تتشكل اليوم قواعد مختلفة: الحرب القصيرة لم تعد مضمونة – التفوق العسكري لا يعني حسمًا سريعًا – تعدد الجبهات يعادل قوة النيران – خطوط حمراء تُرسم بصمت – المنطقة لا تقف على حافة حرب فورية بقدر ما تقف على حافة نموذج ردع جديد – نموذج تُختبر فيه الإرادات قبل الأسلحة، وتُقاس فيه القوة بقدرة التحمل لا بسرعة الضربة.

 

وعليه يمكننا القول إن أي مواجهة مقبلة — إن وقعت — لن تكون نسخة من الحروب السابقة، بل اختبارًا لميزان قوى يتشكل بهدوء.

وفي هذا النوع من الصراعات، لا ينتصر من يطلق النار أولًا.. بل من يستطيع البقاء في الميدان أخيرًا.

قد يعجبك ايضا