رمضان تحت الركام: غزة تفطر على الجوع ومعبر رفح عالق بين التعنّت والصمت
تقرير/عبدالكريم مفضل/وكالة الصحافة اليمنية
مع حلول شهر رمضان المبارك، تدخل غزة موسماً روحياً طالما كان عنوانه الألفة والطمأنينة، لكنه هذا العام يأتي مثقلاً برائحة الركام وصوت البطون الخاوية.
في أحياء مدمّرة وخيام بالية، يستقبل الغزيون الشهر الكريم وهم يتلمّسون ما تبقى من نبض مدينتهم، فيما يخيّم شبح المجاعة فوق موائد لم تعد تتسع إلا للغياب.
مدينة تصوم على الرماد
رمضان هنا لا يشبه ما عرفه الغزيون.. لا فوانيس تضيء الأزقة كما في الأعوام السابقة، بل مصابيح خافتة تتدلّى من أسلاك عارية فوق جدران متصدعة.. موائد الإفطار التي كانت تجمع العائلة، باتت تشهد فراغاً أكبر من الحاضرين. المقاعد الخالية أكثر من الجالسين، ووجوه الغائبين تحضر بقوة تفوق من تبقى.
إنه أول رمضان بعد اتفاق وقف إطلاق النار، لكن “الهدنة” الهشة لم تعنِ عودة الحياة.. فالمنازل المهدمة لم تُرمّم، والاقتصاد المنهار لم يُبعث، والمساعدات لا تزال رهينة المعابر، والسكان يواجهون شبح الموت جوعاً.
يقول الكاتب والمحلل السياسي اللبناني ميخائيل عوض في حديث خاص لوكالة الصحافة اليمنية: “نتنياهو يكمل خطته متعجرفا في إبادة المدنيين بسلاح الجوع غير آبه بأي تصريحات او ضغوطات أو مناشدات دولية”.
ويضيف عوض “حسب ما وصلنا من معلومات فقد سمح لبعض شاحنات الطحين الوصول بسلام الى بعض مناطق قطاع غزة وتم توزيع ه كيلوغرام لكل عائلة، كمية لا تكفي حتى لإشباع بطن طفل واحد خلال شهر رمضان”.
موائد الإصرار والصمود
ومع كل ذلك وتأكيدا على البقاء ورفضهم التخلي عن أرضهم أقام سكان مدينة رفح جنوب قطاع غزة إفطارا جماعيا في أول أيام شهر رمضان المبارك، وذلك على بعد مئات الأمتار من قوات الاحتلال الإسرائيلي المتمركزة في ما يسمى بـ”الخط الأصفر” .
وأظهرت الصور التي تداولها ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي سكان مدينة رفح وهم يقيمون مأدبة الإفطار على مساحة واسعة فوق انقاض بيوتهم التي دمرتها قوات الاحتلال الإسرائيلي.
وفي في مخيم المغازي وسط قطاع غزة وتحت عنوان “قلبٌ واحد ومائدة واحدة تجتمع عليها قلوبٌ بحكايات الصبر والصمود”.. أقيم إفطار جماعي للنازحين في الخيام وبين أنقاض المنازل.
معبر رفح.. شريان يتنفس بصعوبة
يبقى معبر رفح العنوان الأبرز في معادلة الحياة والموت.. فوسط تعنّت الاحتلال في تسهيل الحركة، وقيود معقّدة تعيق إدخال المساعدات وإجلاء المرضى، تحوّل المعبر إلى عنق زجاجة تختنق عنده الآمال.
يؤكد الصحفي والمحلل السياسي الفلسطيني أحمد أبو زهري في حديث خاص مع وكالة الصحافة اليمنية، أن “ملف معبر رفح أصبح ورقة ضغط سياسية بامتياز، تُستخدم في سياق ترتيبات ما بعد الحرب”.
ويرى أبو زهري، أن استمرار القيود على حركة الأفراد والبضائع “يعكس إرادة في إبقاء القطاع تحت حالة اختناق دائم، بما يمنع أي تعافٍ اقتصادي أو إنساني حقيقي”.
المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، وصف في إحاطته اليومية الأوضاع في القطاع بأنها “قاسية للغاية”، مشيراً إلى أن العائلات تستقبل رمضان داخل ملاجئ غير آمنة أو في العراء، مع ندرة حادة في السلع والخدمات الأساسية.
وأكد أن المعبر الذي أعيد افتتاحه يعاني نقصاً في المرافق الحيوية، من محدودية المراحيض وأماكن غسل اليدين إلى فترات انتظار طويلة في ظلّ محدود، ما يفاقم المخاوف الصحية، خصوصاً للمرضى المحتاجين لإجلاء طبي.
ورغم تعديل ساعات توزيع المساعدات لتتلاءم مع أوقات الصيام، إلا أن الواقع الميداني يُظهر أن المساعدات، حتى حين تصل، لا توازي حجم الكارثة.
الصحفي الفلسطيني محمد شاهين يقول في مداخلة خاصة لوكالة الصحافة اليمنية: إن “غزة تعيش مجاعة صامتة تتفاقم بعيداً عن عدسات الكاميرات. المساعدات تدخل بشكل محدود، لكن آلية التوزيع والقيود المفروضة تجعل آلاف العائلات خارج دائرة الاستفادة الفعلية، خصوصاً في شمال القطاع”. ويضيف شاهين: أن “رمضان هذا العام كاشف لحجم الانهيار الاجتماعي، حيث باتت الجمعيات الخيرية نفسها عاجزة عن تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات”.
أرقام الجوع.. حين يصبح الإحصاء مرثية
وفق أحدث تقارير مكاتب الأمم المتحدة، يحتاج جميع سكان القطاع تقريباً إلى مساعدات غذائية، فيما وصل نحو 90% منهم إلى مستويات طارئة من الجوع.
وتكشف البيانات أن واحداً من كل ثلاثة أطفال دون السنتين في شمال غزة يعاني من سوء تغذية حاد، وهي نسبة ارتفعت بشكل صادم مقارنة بالأشهر الماضية.
وكان ممثل منظمة الصحة العالمية في الأراضي الفلسطينية، ريتشارد بيبركورن، حذّر منتصف مارس الماضي، من أن طفلاً من كل 3 أطفال دون السنتين في شمال القطاع يعاني سوء تغذية حاد، مرجّحاً أن تكون الأوضاع اليوم أسوأ مما سُجل سابقاً.
الأرقام هنا ليست مجرد بيانات؛ إنها أجساد نحيلة، وأمهات يحاولن تقسيم رغيف بين أربعة أطفال، ورجال ونساء ينامون بلا سحور.
صمت دولي.. وضجيج سياسي
في الوقت الذي تزداد فيه التحذيرات الأممية من انهيار إنساني شامل، تبدو المواقف الدولية باهتة، محكومة بحسابات سياسية أكثر من كونها استجابة أخلاقية.
الولايات المتحدة وبريطانيا ومعظم القوى الغربية تكتفي بالتصريحات، فيما تتعثر القرارات في أروقة الدبلوماسية.
أما عربياً وإسلامياً، فيغلب الصمت على مشهد يفترض أنه يستفز الضمير الجمعي.
الكاتب والمحلل اللبناني ميخائيل عوض يربط المشهد بسياق أوسع، معتبراً أن “غزة تدفع ثمن إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية، وأن ما يجري هو جزء من عملية ضغط طويلة الأمد”.
ويضيف أن “الصمت العربي والإسلامي، مقابل التواطؤ الغربي، يمنح الاحتلال مساحة إضافية لفرض وقائع ميدانية، فيما يتحول الجوع إلى أداة سياسية”.
وبينما تصطف شاشات بعض العواصم الخليجية على مشاهد البذخ الرمضاني والموائد الفاخرة، تتوارى خلفها صور أطفال غزة وهم يتسابقون إلى طوابير الإغاثة.
المفارقة صارخة: هنا موائد إفطار فارهة تُنقل مباشرة على الهواء، وهناك مدينة كاملة تحاول أن تفطر على ما يسد الرمق.
غزة.. رغبة في نور
ورغم كل ذلك، يتمسك الغزيون بخيط ضوء. يعلّقون زينة بسيطة في الأزقة المدمّرة، يصرّون على الإفطار بين الأنقاض، ويحاولون اقتناص الحياة ولو في أخطر بقعة من المدينة.
رمضان هذا العام في غزة ليس موسماً للزينة والعبادة، بل اختباراً للضمير العالمي. بين تعنّت المعابر وصمت العواصم، يبقى السؤال معلّقاً: كم من الوقت تستطيع مدينة محاصرة أن تصوم عن الطعام، وعن العدالة في آن واحد؟