المصدر الأول لاخبار اليمن

كيف تعيد الحرب الإقليمية رسم خرائط القوة والاقتصاد والإرادة في النظام الدولي؟

حرب تتجاوز الميدان

تحليل/عبدالكريم مطهر مفضل/وكالة الصحافة اليمنية

 

 

تكشف المعطيات المتراكمة في المرحلة المبكرة من المواجهة بين إيران وحزب الله من جهة والولايات المتحدة وكيان الاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى، أن ما يجري لم يعد عملية عسكرية محدودة بأهداف تكتيكية، بل تحولت إلى اختبار وجودي يمس بنية النظام الإقليمي وموقعه في النظام الدولي. فالتفوق الجوي أو الصاروخي، مهما بلغ، لا يكفي لحسم صراع تتداخل فيه الجغرافيا مع الاقتصاد، والإرادة مع الزمن.

فاستنفاذ أحد الأطراف لبنك أهدافه العسكرية التقليدية، مقابل قدرة الطرف الآخر على امتصاص الضربة الأولى وإعادة تنظيم قدراته، يشي بأن ميزان القوة لم يعد يُقاس فقط بحجم التفوق التقني أو السيطرة الجوية، بل بعمق التحضير البنيوي، وصلابة البنية السياسية والاجتماعية، ومرونة الاقتصاد في مواجهة الصدمات.

 

أولاً: ما بعد “الضربة الأولى”.. حدود التفوق العسكري

الخطاب الأمريكي عن “السيطرة الكاملة على الأجواء” لا يلغي حقيقة أن الحروب الحديثة تُحسم بتراكمات الزمن لا بلحظة التفوق اللحظي. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الضربة الأولى – مهما بلغت دقتها – لا تكون حاسمة إذا لم تُترجم إلى انهيار شامل في منظومة القيادة والسيطرة لدى الخصم.

هنا تتجلى جدلية “القوة والإرادة”.

فإذا فشل الرهان على تفكك داخلي سريع أو انهيار مؤسساتي، فإن الصمود يتحول بحد ذاته إلى عنصر استراتيجي. وتصبح القدرة على إعادة التموضع، واستيعاب الخسائر، وتثبيت الجبهة الداخلية، عوامل موازية – وربما متفوقة – على عامل التفوق العسكري المباشر.

 

يرى الكاتب والمحلل السياسي اللبناني ميخائيل عوض في حديثة لوكالة الصحافة اليمنية، أن ما يجري “ليس معركة حدود، بل مواجهة على موقع المنطقة في معادلة النظام الدولي الجديد”.

ويعتبر عوض أن الرهان الغربي – الإسرائيلي على “صدمة ساحقة” تؤدي إلى إعادة تشكيل البيئة السياسية في الإقليم لم يتحقق بالسرعة المتوقعة، ما يعني أن الحرب دخلت طور الاستنزاف الاستراتيجي، حيث تصبح القدرة على إدارة الزمن والكلفة العامل الحاسم.

 

ثانياً: الممرات المائية كسلاح استراتيجي

تاريخياً، شكلت الممرات البحرية شرايين النظام الاقتصادي العالمي. ويبرز في هذا السياق مضيق هرمز وباب المندب كنقطتي اختناق استراتيجيتين لأسواق الطاقة والتجارة الدولية.

أي تعطيل واسع أو إغلاق الممرات المائية، من مضيق هرمز إلى باب المندب، لم يعد مجرد ورقة ضغط إقليمية، بل تحوّل إلى أداة لإعادة تعريف معادلات الأمن الاقتصادي العالمي. لا يقتصر أثره على الأطراف المتحاربة، بل ينعكس فوراً على أسعار النفط، وسلاسل الإمداد، وأسواق المال في العواصم الكبرى.

اضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وتقلبات أسواق الطاقة، كلها مؤشرات على هشاشة النظام الاقتصادي العالمي أمام صدمة جيوسياسية مركزة.

فالصراع الإقليمي أثبت قدرته على إحداث ارتدادات عابرة للحدود، تمتد من أسواق النفط إلى البورصات العالمية.

في هذا السياق، تبدو الحرب كاشفة لا منشئة للأزمة؛ إذ عرّت بنية اقتصاد عالمي قائم على الترابط المفرط، والاعتماد الحرج على نقاط عبور محدودة.

ومع كل صاروخ أو مسيرة أو تهديد ملاحي، يرتفع منسوب القلق في عواصم بعيدة آلاف الكيلومترات عن ساحة الاشتباك.

 

يرى ميخائيل عوض أن أخطر مسارات الحرب هو انتقالها إلى “حرب البحار”، معتبراً أن السيطرة المحكمة التي فرضتها حركة أنصار الله في اليمن خلال مرحلة إسناد غزة على مسار الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب لم تكن حدثاً عابراً، بل مؤشراً على تحوّل استراتيجي في مفهوم الردع. فبحسب رؤيته، “من يتحكم بالأمواج يحكم العالم”، لأن الاقتصاد المعولم يقوم في جوهره على أمن البحار.

ويذهب عوض إلى أن خطوة إغلاق مضيق هرمز – إن تحققت – ستفتح الباب أمام مفاجآت إضافية، معتبراً أن اليمن “واسطة العقد” في معادلة الحسم، وأن دوره لم يُستنفد بعد.

 

بين النظرية والواقع: ماذا يعني “الخروج من البحار”؟

وفق حديث عوض، فإن تحوّل الصراع إلى مواجهة مفتوحة على الممرات البحرية قد يضع “الغرب الأنجلوسكسوني” بكل حلفائه وشركاته أمام معادلة صعبة: إما حماية مكلفة وطويلة الأمد لكل خطوط الملاحة، أو القبول بواقع اضطراب مزمن يهدد نموذج العولمة ذاته.

ويضيف: لكن هذا السيناريو لا يخلو من تعقيدات؛ فإغلاق الممرات الكبرى يحمل كلفة مرتدة على الجميع، بما فيهم الأطراف الساعية لاستخدامه كورقة ضغط. لذلك تبقى المسألة رهناً بميزان دقيق بين الردع والتصعيد، وبين استخدام الورقة البحرية كورقة تفاوض أو كورقة كسر شامل.

 

ثالثاً: “حكومة الشركات” وأزمة الأمن العالمي

الحرب الحالية بين إيران وأمريكا و”إسرائيل” تطرح سؤالاً أعمق حول معادلات الأمن الدولي التي تشكلت في ظل هيمنة الاقتصاد الليبرالي المعولم. فاعتماد النظام العالمي على حرية التدفقات المالية والتجارية، دون تحصين سياسي وأمني موازٍ، جعله عرضة للابتزاز الجيوسياسي.

هنا، لا تبدو المواجهة مجرد نزاع إقليمي، بل لحظة مراجعة لنموذج استمر لعقود، حيث تقدمت المصالح الاقتصادية للشركات العابرة للقوميات على حساب بناء توازنات أمنية مستدامة. والنتيجة: نظام اقتصادي شديد الحساسية لأي اضطراب في نقاطه الحيوية.

ويؤكد عوض، أن ميزان القوة لم يعد أحادي البعد؛ فالتفوق التقني لا يكفي إذا واجه منظومة عقائدية – سياسية مستعدة لتحمل الكلفة.

وبرأيه، فإن “الحرب قد تتحول إلى مسار يعيد توزيع مراكز الثقل، ويُسرّع الانتقال نحو تعددية قطبية أكثر وضوحاً”.

 

خامساً: إدارة الزمن كأداة حسم

في الحروب التقليدية، يُقاس النصر بالسيطرة على الأرض. أما في الحروب المركبة، فيُقاس بقدرة الأطراف على إدارة الزمن:

 

من يستطيع تحمل الكلفة الاقتصادية أطول؟ من يحافظ على تماسك جبهته الداخلية؟ من يحول الخسائر إلى رصيد تعبوي وسياسي؟

الإجابة عن هذه الأسئلة قد تكون أكثر حسماً من أي بيان عسكري عن “انتصار حاسم” أو “ضربة قاصمة”.

 

حرب تعيد تعريف المفاهيم

المشهد الراهن يؤكد أن مآلات الصراع لن تُحسم فقط في ميادين القتال، بل في عمق البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية للأطراف المتنازعة. إنها مواجهة بين مفهومين للقوة: قوة النار، وقوة الاحتمال.

وبينما تتصاعد النيران في الجبهات، يتشكل في الخلفية سؤال أكبر: هل نشهد مجرد حرب عابرة، أم لحظة إعادة صياغة لمعادلات الأمن العالمي وتوازناته؟

الإجابة لن تُكتب فقط بالدخان والبارود، بل بقدرة الأطراف على تحويل الصمود إلى استراتيجية، والزمن إلى حليف.

قد يعجبك ايضا