المصدر الأول لاخبار اليمن

من لبنان إلى إيران واليمن.. لماذا يخشى الاحتلال اغتيال “نتنياهو” بالطائرات المسيّرة؟

تحليل/عبدالكريم مطهر مفضل

لم يعد قرار تشديد الحماية الشخصية لرئيس حكومة الاحتلال “بنيامين نتنياهو” مجرد إجراء أمني روتيني، بل بات يعكس حالة قلق متزايدة داخل المؤسسة الأمنية للاحتلال الإسرائيلي من تحوّل القيادات السياسية إلى أهداف مباشرة في المواجهة الإقليمية المتصاعدة، كما يعكس تحوّلاً عميقاً في تقديرات المخاطر داخل منظومة الاحتلال الأمنية.

فخلال العامين الأخيرين، لم تعد التهديدات التي تطال قادة الاحتلال نظرية أو دعائية، بل تحولت إلى محاولات استهداف فعلية وصلت إلى قلب منازلهم ومحيط تحركاتهم.

التحليل التالي يرصد كيف انتقلت التهديدات من حدود الخطاب السياسي إلى محاولات استهداف فعلية طالت غرفة نوم “نتنياهو”، ومحيط تحركاته، وحتى مكتبه في “تل أبيب”، في ظل صعود سلاح جديد قلب موازين الردع: الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة.

فالتقديرات الأمنية التي تحدثت عنها وسائل إعلام عبرية، وعلى رأسها القناة 15، بشأن تعزيز منظومة الحماية الخاصة بـ”نتنياهو” لم تأتِ من فراغ، بل جاءت بعد سلسلة حوادث أمنية متلاحقة كشفت هشاشة الجدار الأمني الذي طالما أحاط قادة الاحتلال، خصوصًا في مواجهة سلاح بات الأكثر إرباكًا لمنظومات الدفاع الحديثة: الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة. وهي الوسيلة التي باتت تشكل تحدياً متصاعداً لمنظومات الدفاع “الإسرائيلية”.

غير أن هذا القرار لا يمكن فهمه بمعزل عن سلسلة حوادث أمنية غير مسبوقة وضعت المؤسسة الأمنية في حالة إنذار دائم.

 

الجدار الأمني الذي كان لا يُخترق

لطالما تفاخر جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) بامتلاكه إحدى أكثر منظومات حماية الشخصيات تعقيدًا في العالم.

فقيادات الاحتلال السياسية، وعلى رأسها رؤوسا الحكومات، تحظى بسلسلة متداخلة من الإجراءات تشمل: حراسة بشرية دائمة من وحدات مدربة – منظومات مراقبة إلكترونية متقدمة – تقييمات استخباراتية مستمرة للتهديدات – طبقات دفاع جوي في محيط المواقع الحساسة.

هذه المنظومة كانت كفيلة لعقود بإبقاء قيادات الاحتلال الإسرائيلي خارج نطاق الاستهداف المباشر، حتى خلال الحروب الكبرى التي خاضتها مع الدول العربية.

لكن التطورات التكنولوجية التي شهدتها المنطقة خلال العقد الأخير، خصوصًا في مجال الطائرات المسيّرة والصواريخ الموجهة، بدأت تُحدث شرخًا تدريجيًا في هذا الجدار الأمني.

يقول الصحفي الفلسطيني أحمد أبو زهري في حديثه لوكالة الصحافة اليمنية “خلال سنوات طويلة، حافظ الاحتلال الإسرائيلي على صورة أمنية راسخة مفادها أن قادته السياسيين يقفون خلف طبقات معقدة من الحماية الاستخباراتية والعسكرية، تجعل استهدافهم المباشر مهمة شبه مستحيلة. غير أن سلسلة الهجمات اللبنانية واليمنية والإيرانية وقعت خلال الفترة الأخيرة بدأت تُقوّض هذه الصورة تدريجيًا، وتكشف للملأ أن رئيس حكومة الاحتلال بات نفسه هدفًا مباشرًا في الحرب ضد محور المقاومة”.

 

ضربة قيساريا.. لحظة كسرت “الهالة الأمنية”

نقطة التحول الأبرز كانت في 19 أكتوبر 2024 حين تلقت “المؤسسة الأمنية الإسرائيلية” صدمة غير مسبوقة عندما نجحت طائرة مسيّرة أُطلقت من لبنان في الوصول إلى منزل “نتنياهو” الخاص في مدينة “قيساريا” الساحلية، الواقعة على بعد 70 كيلومتر من الحدود.

العملية التي تبناها حزب الله لاحقًا لم تكن مجرد هجوم رمزي، بل مثلت اختراقًا أمنيًا حساسًا بعدما تمكنت المسيّرة من الوصول إلى محيط غرفة النوم داخل المنزل.

ورغم أن “نتنياهو” لم يكن موجودًا في المنزل لحظة الهجوم، إلا أن الحادثة أثارت حالة ارتباك واضحة داخل أجهزة الاحتلال الأمنية، التي وجدت نفسها أمام واقع جديد: إمكانية وصول المسيّرات إلى أكثر المواقع تحصينًا في عمق الاحتلال الإسرائيلي.

يقول أبو زهري: “وسائل الإعلام العبرية تحدثت آنذاك عن أن العملية كشفت ثغرات في منظومة الإنذار المبكر، إذ تمكنت المسيّرة من الطيران على ارتفاع منخفض وتجنب الرصد الراداري لفترة كافية للوصول إلى الهدف”.

 

المطار تحت النار.. رسالة يمنية إلى تحركات “نتنياهو”

لم يكن تهديد المسيّرات مقتصراً على استهداف المنازل، بل امتد إلى تحركات قيادة الاحتلال الإسرائيلي نفسها.

ففي حادثة أخرى زادت من مخاوف الاحتلال الإسرائيلي أعلن الاحتلال الإسرائيلي في يونيو 2025، اعتراض صاروخ أُطلق من اليمن باتجاه مطار “بن غوريون”، بينما أعلنت قوات صنعاء أن العملية جاءت بالتزامن مع عودة “نتنياهو” من زيارة إلى واشنطن، الأمر الذي اعترفت به تقارير عبرية بعد يومين من الاستهداف.

يقول أبو زهري: “استقبل الفلسطينيون هذا الهجوم بفرح كبير لكونه وبحسب روايات متداولة في الإعلام العبري ومنصات المستوطنين، وقع الهجوم قبل دقائق من هبوط طائرة نتنياهو، مما جعل الطائرة تغادر أجواء فلسطين لمدة نصف ساعة قبيل هبوطها وهي رسالة اعتبرها الصهاينة تحذيرًا مباشرًا بأن تحركات قيادتهم نفسها أصبحت ضمن بنك الأهداف اليمنية”.

ويضيف: “تشير تقارير أمنية واستخباراتية تابعة للاحتلال الإسرائيلي إلى أن “استهداف المطار أثناء عودة نتنياهو يمثل أخطر سيناريو أمني بالنسبة للاحتلال، لأن هذا المرفق يمثل بوابة السفر الرئيسية للقادة والمسؤولين الإسرائيليين”.

وتابع: ” مثل هذه العمليات، تشكل كابوسًا أمنيًا بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي، حتى لو لم تحقق إصابات مباشرة، تخلق تأثيرًا نفسيًا وأمنيًا عميقًا، لأنها تشير إلى قدرة الخصوم على تهديد المرافق الحيوية المرتبطة بالقيادة السياسية”.

كما سُجلت – وفق الإعلام العبري – حوادث أخرى في إطار هذه المواجهة، من بينها هجوم بطائرة مسيّرة أصاب فندقاً سياحياً في مدينة أم الرشراش “إيلات” عام 2025 أثناء زيارة قام بها وفد من وزارة حرب الاحتلال للاطلاع على فشل منظومات الاحتلال الدفاعية في التصدي للصواريخ والمسيرات القادمة من اليمن التي نجحت بشكل كبير في تجاوز محاولات اعتراض الدفاعات الجوية “الإسرائيلية”.

هذه العمليات مجتمعة دفعت المؤسسة الأمنية للاحتلال الإسرائيلي إلى إعادة تقييم كامل لمعادلة الحماية، ليس فقط للبنية التحتية بل أيضاً للقيادات السياسية والعسكرية.

 

طهران تدخل المعادلة

التطور اللافت والمثير جاء قبل أيام عندما أعلن الحرس الثوري الإيراني تنفيذ هجوم صاروخي وبالمسيرات استهدف مكتب “نتنياهو” في يافا المحتلة “تل أبيب”، في إطار الرد الإيراني “الوعد الصادق 4” على العدوان الأمريكي “الإسرائيلي”.

ورغم أن الاحتلال الإسرائيلي لم يعلن تفاصيل دقيقة حول نتائج الهجوم، إلا أن مجرد الإعلان الإيراني عن استهداف مقر “نتنياهو” يعكس تحوّلًا واضحًا في طبيعة المواجهة، حيث لم تعد الضربات تقتصر على القواعد العسكرية أو المنشآت الاستراتيجية، بل باتت تشمل مواقع مرتبطة مباشرة بقيادة كيان الاحتلال.

 

لماذا يخشى الاحتلال “الاغتيال بالمسيّرات”؟

تعترف تقارير أمنية “إسرائيلية” بأن الطائرات المسيّرة باتت تمثل التحدي الأكبر أمام منظومات الدفاع التقليدية، لعدة أسباب رئيسية:

أولاً: صعوبة الرصد المبكر: فالمسيّرات الصغيرة تطير على ارتفاعات منخفضة وببصمة رادارية ضعيفة، ما يجعل اكتشافها أكثر تعقيدًا.

ثانيًا: الدقة العالية في إصابة الأهداف: وهو ما ظهر في استهداف منزل “نتنياهو” في “قيساريا”، حيث وصلت المسيّرة إلى هدف شديد الحساسية.

ثالثًا: الكلفة المنخفضة مقارنة بالصواريخ وسهولة الإطلاق ما يجعل استخدامها المتكرر أمراً ممكناً ضمن حرب استنزاف طويلة.

رابعًا: تعدد جبهات الإطلاق: إذ يمكن إطلاق المسيّرات من لبنان أو فلسطين أو العراق أو حتى من مسافات بعيدة كإيران واليمن، ما يوسّع نطاق التهديد الجغرافي.

 

الاحتلال بين “حماية القادة” وحرب الاستنزاف

في ضوء هذه المعطيات، تشير تقارير عبرية إلى أن الإجراءات الأمنية الجديدة حول نتنياهو قد تشمل نشر أنظمة متطورة مضادة للمسيّرات، تعتمد على تقنيات التشويش الإلكتروني والليزر والاعتراض المباشر، إضافة إلى تدابير أمنية استثنائية ينفذها جهاز الشاباك.

غير أن المشكلة، وفق محللين عسكريين “إسرائيليين”، لا تتعلق فقط بحماية شخص واحد، بل بمعادلة أمنية جديدة أصبح فيها قادة الاحتلال أنفسهم أهدافاً محتملة في الحرب الإقليمية.

فبعد أن كانت المواجهة تدور على الحدود أو في ساحات القتال، باتت اليوم تقترب أكثر من المراكز السياسية والرمزية داخل الاحتلال الإسرائيلي، أصبحت من منزل “نتنياهو” في قيساريا إلى طائرته في “بن غوريون” ومكتبه في “تل أبيب”، وهو ما يفسر حالة القلق المتزايدة داخل دوائر أمن الاحتلال الإسرائيلي التي تجد نفسها أمام سلاح منخفض الكلفة وعالي التأثير، قادر على اختراق أكثر الطبقات الأمنية حساسية في الكيان العبري الغاشم.

وبينما يسعى الاحتلال الإسرائيلي إلى تعزيز منظومات الحماية حول قادته، يبدو أن سلاح المسيّرات قد فتح فصلًا جديدًا في المواجهة، فصلًا تتداخل فيه التكنولوجيا مع الحرب النفسية، وتصبح فيه الرسائل الأمنية بحد ذاتها جزءًا من معركة الردع.

وفي ظل هذا الواقع الجديد، لم يعد السؤال داخل الاحتلال الإسرائيلي يقتصر على كيفية حماية رئيس الوزراء، بل يمتد إلى سؤال أوسع: كيف يمكن لكيان غاشم أن يحمي مراكز قرارها السياسي في زمن أصبحت فيه الطائرات الصغيرة قادرة على تغيير قواعد الحرب؟

قد يعجبك ايضا