تحليل/عبدالكريم مطهر مفضل/وكالة الصحافة اليمنية
لم يكن خطاب السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي في ذكرى اليوم الوطني للصمود مجرد استعراض سياسي أو خطاب تعبوي تقليدي، بل بدا أقرب إلى وثيقة سياسية–عسكرية حملت بين سطورها مؤشرات واضحة تعكس تحوّلًا تدريجيًا في عقيدة المواجهة، خصوصًا في جبهة البحر الأحمر، التي تبدو اليوم أقرب إلى مركز الثقل في إسناد غزة وإدارة الحرب الإقليمية بين إيران من جهة والولايات المتحدة وكيان الاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى.
البحر الأحمر: من هامش العمليات إلى قلب المعركة
تكشف المعطيات الميدانية التي رافقت الخطاب، هو تثبيت معركة البحر الأحمر كجبهة رئيسية، لا هامشية، وأن العمليات البحرية فيه لم تعد تحركات محدودة أو رسائل ضغط مؤقتة، بل تحولت إلى استراتيجية مستدامة تستهدف شريان التجارة والاقتصاد للاحتلال الإسرائيلي.
هذا التحول يتزامن مع هزيمة اليمن لقوات البحرية الأمريكية وتصاعد استهداف السفن المرتبطة بـ”إسرائيل”، في محاولة لإحداث تأثير غير مباشر على اقتصادها وحركتها التجارية.
اللافت أن الخطاب لم يقدّم هذه العمليات بوصفها ردًا ظرفيًا أو تجرية ماضية، بل كجزء من معادلة مستمرة، ما يشير إلى نية تثبيت معركة البحر الأحمر كساحة اشتباك طويلة الأمد مع الخصوم.
والأهم أن الخطاب يعكس قناعة بأن البحر الأحمر هو نقطة ضعف الخصم، وليس مجرد ساحة دعم لغزة ودول المنطقة، وهو ما يفسر الإصرار على استمرار العمليات العسكرية فيه رغم الضغوط الأمريكية والدولية.
العميد محمد الشريف، مستشار وزارة الدفاع في صنعاء، فيرى في حديثه لوكالة الصحافة اليمنية أن الخطاب يعكس تحولًا واضحًا في العقيدة القتالية قائلاً: “نحن أمام نموذج حرب تعتمد على استهداف نقاط الضعف، حيث يمكن لتقنيات منخفضة الكلفة التغلب على منظومات دفاعية عالية التكلفة والتقنيات التكنولوجية، وأن تُحدث تأثيرًا استراتيجيًا كبيرًا عسكرياً واقتصادياً.”
ويضيف: التحول هنا هو الانتقال من “تكتيك الضربات المتفرقة” إلى “استراتيجية تعطيل مستدام”، وهي مقاربة أقرب إلى حرب استنزاف عسكرية واقتصادية طويلة المدى.
كما يؤكد الشريف، أن البحر الأحمر أصبح “ساحة اختبار” لتكتيكات عسكرية يمنية قد تُستخدم لاحقًا في مضائق أخرى، مثل باب المندب وهرمز، وكذا ساحة صراع مفتوحة تُعاد فيها صياغة موازين القوة في المنطقة.
بين الرمزية والتأثير الفعلي
ربط خطاب السيد الحوثي، بشكل مباشر بين صمود الشعب اليمني طوال 11 عاماً واستمرار الأعداء في الاعتداء على اليمن وفرض الحصار عليه، وبين العمليات العسكرية اليمنية في إسناد غزة والمعركة الإقليمية، في محاولة لتكريس مفهوم “وحدة الساحات”. لكن القراءة الدقيقة تشير إلى أن هذا الإسناد لم يعد رمزيًا فقط.
فالهجمات اليمنية على السفن المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي وإغلاق ميناء أم الرشراش “إيلات”، إضافة إلى الضربات الصاروخية لمواقع الاحتلال الإسرائيلي وتعطيل مطارته، خلقت ضغطًا غير مباشر على عمق الاحتلال الإسرائيلي عبر الاقتصاد والملاحة، وليس فقط عبر الجبهة العسكرية المباشرة.
ومع ذلك، تكشف التقديرات أن قيادة حكومة صنعاء لا تزال تحافظ على سقف تصعيد محسوب في الأحداث الأخيرة في اليمن وفلسطين والمنطقة العربية، حيث تستخدم الخطاب لرفع المعنويات تمهيدا للولوج في حرب شاملة ضد الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي ومن خلفهما دول التحالف.
وهنا يمكننا القول إن الاستمرار في الحرب على اليمن من قبل دول التحالف وإسناد غزة هنا يؤدي وظيفتين: شرعنة العمليات اليمنية دولياً وإقليميًا وشعبيًا، وتوسيع هامش المناورة دون التورط الكامل في إعلان مسبق للولج في الحرب الشاملة، بل التمهيد بشكل قانوني للدخول فيها.
معادلة “التصعيد المحسوب” في الحرب الإقليمية
اللافت في الخطاب أنه يجمع بين لهجة تصعيدية حادة، وبين غياب إعلان واضح لمرحلة حرب مفتوحة مرتقبة، هذا النمط يعكس ما يمكن وصفه بـ“الردع المرن” أي إدارة التصعيد قبل الانفجار الكامل.
هذا التوازن يظهر في نقطتين: العودة لمواجهة شاملة مالم توقف دول التحالف عدوانها وحصارها على اليمن، وكذا عودة العمليات العسكرية اليمنية في استهداف مصالح اقتصادية وعسكرية للاحتلال الإسرائيلي، إذا استمر في عدوانه وحصاره على قطاع غزة.
والنقطة الثانية، إبقاء الخيارات العسكرية مفتوحة وفق تطورات الحرب في المنطقة والعدوان الأمريكي “الإسرائيلي” الأخير على إيران.
ويتجلى ذلك من تأكيد الخطاب بأن موقف اليمن من العدوان على إيران أو أي دولة إسلامية ليس حياديًا، بل المشاركة الفعلية فيه في إطار مواجهة المخططات الأمريكية و”الإسرائيلية”، مضيفا ان موقف اليمن هو مبادلة الوفاء بالوفاء حيث وقفت الجمهورية الاسلامية مع اليمن ضد العدوان عليه.
شرعنة التصعيد
من الناحية القانونية يرى حقوقيون أن خطاب السيد عبدالملك الحوثي يمهد من الناحية القانونية لدخول قوات صنعاء في الحرب الإقليمية دون تحملها أي تبعات قانونية، لكون أي تصعيد عسكري كبير من قبل صنعاء في هذا الوقت قد يؤدي إلى توسيع دائرة الحرب الإقليمية واستدعاء ردود أمريكية “إسرائيلية” أو دولية أشد، وهو ما يبدو أن الخطاب يحاول تجنبه رغم التصعيد اللفظي.
في هذا السياق، يرى عبدالكريم المطهر الناطق الرسمي باسم الجبهة القانونية الحقوقية العليا في اليمن في حديثه لوكالة الصحافة اليمنية أن ما ورد في الخطاب يضع العمليات العسكرية والبحرية اليمنية في إطار “الرد الدفاعي المشروع”، بما يتوافق مع القوانين والمواثيق الدولية.
ويوضح الحبيشي، أن صنعاء لها تجارب سابقة في شرعنة تدخلها العسكري وتجنب أي أعمال قد يستخدم ضدها لافتاً إلى أن التحدي الحقيقي الذي نجحت فيه قوات صنعاء خلال عامين من إسناد غزة وعلى وجه الخصوص في معركة البحر الأحمر يكمن في الفصل بين الأهداف العسكرية المشروعة والأثر على التجارة الدولية، وهو ما حرم خصومها الغربيين بقيادة الولايات المتحدة من استخدامه لاحقًا في مسارات قانونية دولية.
خطاب يكرّس واقعًا جديدًا
ما بين سطور خطاب السيد الحوثي، يظهر أن المواجهة بين صنعاء وخصومها في المنطقة دخلت طورًا مختلفًا: حرب لا تُخاض بالجيوش التقليدية فقط، بل بالممرات البحرية، والاقتصاد، والضغط غير المباشر.
وما بين التصعيد الخطابي والضبط العملياتي، يكشف خطاب السيد الحوثي عن تحول نوعي في طبيعة المواجهة:
البحر الأحمر لم يعد جبهة دعم، بل ساحة ضغط عالمية
إسناد غزة لم يعد رمزيًا، بل أداة تأثير غير مباشر
الحرب لم تُعلن، لكنها تُدار تدريجيًا
والأهم: أن صنعاء لا تتجه نحو انفجار مفاجئ، بل نحو تصعيد تدريجي يعيد رسم قواعد الاشتباك في المنطقة خطوة خطوة.