بينما تنصّب الولايات المتحدة الأمريكية نفسها حكماً أخلاقياً على دول العالم، وتُصدر التقارير السنوية لتصنيف الشعوب والحكومات بناءً على معايير “حقوق الإنسان”، تكشف الحقائق القادمة من الداخل الأمريكي عن وجه آخر مغاير تماماً، وجهٌ تجسده معتقلات المهاجرين التي تحولت إلى بؤر للانتهاكات الممنهجة والتعذيب، مما يضع واشنطن في صدارة قائمة المنتهكين للحقوق الأساسية للبشر.
آخر فصول هذه الازدواجية تجسد في دعوى قضائية كبرى رفعتها منظمات حقوقية بارزة، على رأسها “الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية” و”هيومن رايتس ووتش”، ضد ما وُصف بـ أكبر مركز لاحتجاز المهاجرين في الولايات المتحدة، والمسمى “كامب إيست مونتانا” في مدينة إل باسو بولاية تكساس.
معسكر المليار دولار.. مسلخ بشري
أُقيم هذا المخيم المترامي الأطراف في قاعدة “فورت بليس” العسكرية في إطار إستراتيجية الترحيل الجماعي التي ينتهجها الرئيس دونالد ترمب، وبتكلفة فلكية تجاوزت 1.2 مليار دولار ، ورغم أن وزارة الأمن الداخلي الأمريكية حاولت تجميل الصورة بادعائها أن المخيم “يفي بالمعايير الاتحادية”، إلا أن الواقع داخل هذه “المنشأة الصحراوية” يعكس همجية لا تليق بدولة تدعي التحضر حيث لقي ثلاثة أشخاص حتفهم داخل المعتقل خلال 9 أشهر فقط من افتتاحه ، فيما يُحتجز أكثر من 2700 بشر في ظروف بيئية قاسية وسجون تفتقر لأدنى المقومات الإنسانية ، وتحول المخيم إلى بؤرة لانتشار أمراض خطيرة مثل الحصبة والسل نتيجة الإهمال الصحي المتعمد وفق تقرير نشره موقع الجزيرة نت ومصدره وكالة رويترز.
اعتداءات جسدية وتزييف للحقائق
تكشف تفاصيل الدعوى القضائية، المدعومة بتحقيق أجراه الكونغرس الأمريكي نفسه، عن سادية ممنهجة يمارسها الحراس ضد المحتجزين، فقد رصد التفتيش 49 انتهاكاً صارخاً، منها 11 انتهاكاً يتعلق بـ “استخدام القوة المفرطة ووسائل التقييد”، و5 انتهاكات تخص “الرعاية الطبية المروعة.
شهادات من جحيم “إيست مونتانا”
وفق تقرير الجزيرة فقد أكد إريك إيفان رودريجيز (مهاجر فنزويلي) تعرضه لعنف جسدي مفرط من قبل المسؤولين لإجباره قسراً على توقيع أوراق ترحيله.. فيما أكد جيرالد أكاري أنجي (من الكاميرون) تعرضه للضرب المبرح على يد الحراس دون أي مبرر.
ولم تتوقف الانتهاكات عند حد التعذيب، بل امتدت إلى محاولات التستر وتزييف التقارير الطبية. ففي حالة المهاجر الكوبي “جيرالدو لوناس كامبوس”، حاولت سلطات الهجرة الأمريكية في البداية ادعاء وفاته بـ”مشكلة صحية”، ثم غيرت روايتها إلى “محاولة انتحار”، لكن تقرير الأطباء الشرعيين في إل باسو صدم الرأي العام بحكمه أن الوفاة هي “جريمة قتل” ناتجة عن “الاختناق بسبب الضغط على الرقبة والجذع” أثناء صراعه مع الحراس.
الاستخدام العشوائي للحبس الانفرادي
إلى جانب التعذيب الجسدي، تمارس إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) تعذيباً نفسياً ممنهجاً عبر الاستخدام العشوائي والمفرط للحبس الانفرادي، وهو ما تصنفه المواثيق الدولية كنوع من أنواع التعذيب الذي يدمر الإدراك البشري.