المصدر الأول لاخبار اليمن

فخ “المنطقة العازلة”.. ثمن باهظ تدفعه قوات الإحتلال في جنوب لبنان

تقرير | وكالة الصحافة اليمنية

جاء إعلان الإعلام العبري اليوم عن مقتل 30 ضابطاً وجندياً وإصابة 1291 آخرين على جبهة لبنان منذ تجدد الحرب في مطلع مارس ليعيد تسليط الضوء على “الثمن الباهظ” الذي تدفعه القوات البرية للاحتلال في تضاريس الجنوب اللبناني المعقدة.

 هذه الأرقام، ورغم خضوعها لرقابة عسكرية صارمة تميل عادةً إلى تقليص الحقائق، تحمل دلالات استراتيجية وعسكرية بالغة الخطورة.

ولتقييم هذه الحصيلة والإجابة عن سؤال ما إذا كان هذا العدد كبيراً أم صغيراً قياساً بالفترة الزمنية، فإن المعايير العسكرية تؤكد أن العدد يُعد كبيراً جداً وبمثابة استنزاف حاد؛ ويتضح ذلك أولاً من خلال المعدل الزمني الصادم، حيث إننا نتحدث عن فترة زمنية تقارب الـ 100 يوم فقط (من مطلع مارس إلى الأسبوع الأول من يونيو)، وهو ما يعني حسابياً أن جيش الاحتلال يفقد عسكرياً واحداً كقتيل كل 3 أيام، ويُصاب لديه ما معدله 13 عسكريا يومياً.

ويرتبط هذا الاستنزاف اليومي بمعادلة القتلى إلى المصابين التي بلغت واحد الى كل 43، إذ إن إصابة 1291 جندياً مقابل 30 قتيلاً تشير إلى أن حجم النيران واستهداف الآليات والتحصينات “الإسرائيلية” واسع جداً، كما تعكس كفاءة الأسلحة المخترقة للدروع والعبوات الناسفة والكمائن النقطية التي تعتمدها المقاومة اللبنانية.

 وينسحب هذا التقييم على خطورة الإصابات المعلنة، فالإفصاح عن 75 حالة خطيرة و146 حالة متوسطة يعني أن أكثر من 220 جندياً خرجوا تماماً وبشكل دائم عن الخدمة العسكرية جراء الإعاقات المستديمة أو البتر، وهو ما يوازي مقتل كتيبة مصغرة من قوات النخبة، ناهيك عن تأكيدات التقارير بان المنحنى البياني للخسائر في تصاعد مستمر.

وتقودنا هذه الأرقام مباشرة إلى تفكيك الدلالات النوعية والعسكرية للميدان، وفي مقدمتها جغرافيا الاستنزاف وصدمة “تجدد القتال”؛ فالاعتراف بهذه الحصيلة بعد مارس يشير إلى فشل تكتيكي “إسرائيلي” ذريع، حيث ظن الاحتلال أن العمليات السابقة قد أضعفت البنية العسكرية للمقاومة اللبنانية في جنوب لبنان، لكن النتيجة جاءت عكسية بعد أن تحولت الأرض مجدداً إلى “مصيدة عمياء” تقضم قدرات ألوية النخبة مثل جولاني والكوماندوز والمظليين.

وينضم إلى هذا الفشل التكتيكي معضلة “الضباط” وتآكل القيادة الميدانية، فالبيان العبري يحرص دائماً على دمج وصف “ضابطاً وجندياً”، وحيث إن العقيدة العسكرية “الإسرائيلية” تلزم الضباط بالتقدم في الخطوط الأمامية، فإن سقوط هذا العدد منهم يعني تآكل “القيادة الوسيطة”، وهو ما يفسر حالة الإرباك والتراجع المستمر.

 

فخ “المنطقة العازلة”: عبء لوجستي وأهداف مكشوفة

هذا الفشل الميداني يتعمق بشكل بنيوي مع سعي جيش الاحتلال الإسرائيلي لتنفيذ خطط إنشاء وتوسيع ما يُسمى “المنطقة العازلة” في جنوب لبنان؛ إذ تؤكد التقارير العسكرية أن هذه الخطط تحولت إلى استنزاف وعبء لوجستي وعسكري هائل يفسر تضاعف الفاتورة البشرية، وذلك نتيجة جملة من العوامل المقيدة لجيش الاحتلال في مقدمتها الاستنزاف البشري واللوجستي إذ ان  السيطرة على شريط حدودي واسع بعمق يتراوح بين 8 إلى 20 كيلومتراً (وفي بعض المناطق الاستراتيجية وصولاً إلى نهر الليطاني) يتطلب تواجداً مكثفاً لآلاف الجنود، مما يحوّل قوات الاحتلال إلى “أهداف ثابتة” ومكشوفة تماماً لهجمات وكمائن مستمرة.

إضافة إلى ذلك يأتي طبيعة التضاريس المعقدة حيث تفرض جبال ووديان جنوب لبنان تحديات قتالية هائلة، وتوفر غطاءً طبيعياً للمقاومة اللبنانية للتحرك وتنفيذ عمليات كر وفر سريعة، مما يحد بشكل جذري من قدرة التفوق التكنولوجي والمدرع لقوات الاحتلال الإسرائيلي على حسم المعركة.

 

المسيرات: “معادلة الرعب” والتهديد الأكثر فتكاً

وفي عمق هذا المأزق الميداني، تبرز الطائرات المسيرة التابعة للمقاومة اللبنانية  التهديد الأكثر فتكاً لجنود الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، حيث فرضت “معادلة رعب” جديدة ومفاجئة أربكت الدفاعات والميدان العسكري بالكامل.

وتأتي تفاصيل هذا السلاح الجوي لتفسر قفزة الإصابات والقتلى من خلال: تقنية الألياف الضوئية القادرة على الاختراق، حيث نجحت المقاومة اللبنانية في تجاوز التفوق التكنولوجي، وباتت مسيراته تلاحق تجمعات وآليات الاحتلال في الميدان على مدار الساعة.

في المحصلة، فإن هذه المعطيات الميدانية والتقنية المتشابكة تسببت في ارتدادات داخلية عنيفة على الجبهة “الإسرائيلية” فجرت أزمة ثقة حادة مع الرقابة العسكرية لأن الشارع في كيان الاحتلال يدرك أن الأرقام الحقيقية في مستشفيات الشمال مثل “زيف” و”رامبام” أعلى من المعلن، فضلاً عن تغذية مأزق قضية “تجنيد الحريديم” والضغط على العصب الحساس للحكومة التي يقودها المجرم نتنياهو ؛ فجيش الاحتلال يصرخ علناً بأنه يعاني من نقص في القوة البشرية، وهذه الخسائر تحول التجنيد إلى حاجة وجودية ملحة تهدد ائتلاف المجرم نتنياهو.

 

كبح إجباري لطموحات التوسع 

هذا المأزق البشري والسياسي يفرض في نهاية المطاف كبحاً إجبارياً لطموحات التوسع العسكري، ويعيد إلى الأذهان العقدة التاريخية لـ”إسرائيل” في لبنان؛ وهي المعضلة التي اعترف بها علناً رئيس الوزراء الأسبق في كيان الاحتلال، إيهود أولمرت، في تصريحات لشبكة “الجزيرة” مؤخراً حين قال بصراحة: “لا شيء في احتلال جنوب لبنان سيؤدي إلى أمن “إسرائيل” نحن كنا في جنوب لبنان لسنوات عدة وهذا الأمر لم يساهم بأي شيء على مستوى أمن “إسرائيل”.

 تصريحات أولمرت تأتي كشهادة تاريخية تؤكد عبثية فكرة “المنطقة العازلة” الحالية، وتثبت أن الكلفة الباهظة (أكثر من 1300 عسكري بين قتيل وجريح) ليست سوى تكرار للفشل التاريخي.

قد يعجبك ايضا