المصدر الأول لاخبار اليمن

تدمير 13 قطاعاً إنتاجياً و57 مليار دولار خسائر قطاع النفط والمعادن

شرايين اليمن تحت القصف والحصار

تقرير | وكالة الصحافة اليمنية

كشفت بيانات رسمية صادرة عن وزارة الاقتصاد والصناعة والاستثمار بحكومة صنعاء عن حصيلة ثقيلة وأرقام كوارثية تعرض لها قطاع النفط والمعادن في الجمهورية اليمنية على مدى اثني عشر عاماً، تمتد من العام 2015 وحتى العام 2026، جراء الحرب العدوانية التي تشنها السعودية بدعم أمريكي مباشر على الشعب اليمني، وما رافقها من حصار شامل وممنهج مفروض على المنافذ البحرية والبرية والجوية للبلاد، في إستراتيجية واضحة المعالم تستهدف تجويع الاقتصاد الوطني وإخضاعه لإرادات القوى الخارجية.

الجدير بالذكر أن التقييمات الشاملة الموثقة في الخارطة البيانية الصادرة عن الوزارة قد أوضحت أن الإجمالي لخسائر هذا القطاع الحيوي بلغ 57 مليار دولار، وذلك في استهداف مباشر وممنهج للبنية التحتية والموارد السيادية التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد الوطني وشريان الحياة الأساسي لمعيشة المواطنين وسداد التزامات الدولة الخدمية والتشغيلية.

ولا يغيب عن الأذهان أن ما تعرض له قطاع النفط والمعادن اليمني على مدار أكثر من عقد من الزمن جراء العدوان السعودي الأمريكي يمثل أحد أكبر الكوارث الاقتصادية التي شهدتها المنطقة في العصر الحديث، حيث تجاوزت الخسائر المباشرة وغير المباشرة كافة التقديرات الأولية التي وضعتها المؤسسات الدولية والإقليمية في بدايات الأزمة، وذلك لما لهذا القطاع من وزن استراتيجي في تركيب الاقتصاد اليمني، إذ كان يشكل النافذة الرئيسية التي تطل منها الدولة على أسواق الطاقة العالمية، والمصدر الأوحد تقريباً للإيرادات العامة التي كانت تعيل الموازنة وتدير عجلة التنمية في ربوع البلاد.

وعلاوة على ذلك، تسبب العدوان العسكري المباشر الذي استهدف مناطق الإنتاج والتصدير، بالإضافة إلى الحصار الجائر الذي تفرضه قوات التحالف بقيادة السعودية على الموانئ والمنافذ، في خلق حالة من الشلل التام لهذا القطاع الحيوي، وتحويله من رافد أساسي للاقتصاد الوطني إلى عبء إضافي على الموازنة العامة في ظل توقف الإنتاج وتدمير البنى التحتية وتآكل الآليات والمعدات، مما جعل البلاد ترزح تحت وطأة أزمة هيكلية عصفت بمقوماتها الاقتصادية وأفقدتها القدرة على الصمود في وجه التحديات المتراكمة.

تدمير متناول الشرايين الإنتاجية وتوقف الاستكشاف جراء القصف المباشر

وانطلاقاً من هذا الواقع المرير الذي أوجدته الغارات الجوية المتواصلة والقصف المدفعي الممنهج، تتجلى التفاصيل الكارثية للخسائر المباشرة التي مني بها القطاع الاستخراجي والإنتاجي، إذ تفيد المعطيات الرسمية بأن اليمن فقد القدرة على إنتاج ما يقارب 90 مليون برميل من النفط الخام سنوياً، وهو رقم يعادل مجمل ما كانت تنتجه البلاد قبل العام 2015 من احتياطيات نفطية مؤكدة كانت تشكل عصب الاقتصاد الوطني.

وفي هذا الإطار، تأتي هذه الخسارة الهائلة نتيجة التوقف القسري والخروج التام عن الخدمة لثلاثة عشر قطاعاً إنتاجياً كانت تدير عمليات الاستخراج والتصدير بكفاءة مقبولة على الرغم من التحديات الفنية واللوجستية التي واجهتها في مراحل سابقة، وذلك بعد أن تعرضت هذه القطاعات لقصف مكثف من طيران التحالف السعودي الأمريكي، ناهيك عن التعطيل الكامل لنشاط اثنين وثلاثين قطاعاً استكشافياً كانت تشكل الرافد المستقبلي لتطوير الاحتياطيات النفطية والغازية في البلاد، مما يعني أن الأضرار لم تقتصر على الحاضر بل امتدت إلى مستقبل القطاع وقدرته على التعافي والانطلاق مجدداً.

ومن المنظور ذاته، فإن التقييمات الميدانية تؤكد أن التدمير لم يقتصر على تعطيل الآبار والقطاعات الإنتاجية، بل طال أيضاً شبكات التوزيع والتخزين الداخلية التي كانت تشكل الحلقة الوسيطة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك المحلي، حيث وثقت التقييمات استهدافاً مباشراً وتدميراً واسعاً لحق بتسعمائة وثلاثين محطة وقود في مختلف المحافظات اليمنية جراء الغارات الجوية والقصف العشوائي، إلى جانب تدمير وفقدان أكثر من مائة وثلاثة وستين ألف أسطوانة غاز منزلي، مما ضاعف من الضغوط على سوق المشتقات النفطية والغازية المحلية، وخلق اختناقات حادة في الإمدادات الموجهة للاستهلاك المدني والصناعي، وأسهم بشكل كبير في ارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور مستوى الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين في مختلف أنحاء البلاد، فضلاً عن أنه زاد من الاعتماد على السوق السوداء والتجار غير المرخصين في توفير احتياجات السكان من المواد الأساسية، وهو ما أنذر بانهيار وشيك للأسواق المنظمة وانتشار الفوضى في آليات التوزيع والتسعير.

انهيار الموارد العامة وانكماش الموازنة بسبب الحصار ومنع التصدير

وبالانتقال إلى المستوى الاقتصادي الكلي، يتبين أن التوقف القسري لصادرات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال، والذي جاء نتيجة الحصار البحري المفروض من قبل القوات السعودية على الموانئ اليمنية ومنع ناقلات النفط من المغادرة، قد تسبب في هبوط حاد وإصابة شلل تام لرافد الإيرادات العامة، إذ تذكر البيانات الرسمية أن إيرادات النفط شهدت انخفاضاً بنسبة تسعين في المائة، مما أدى بالتبعية إلى تراجع إيرادات الموازنة العامة للدولة بنسبة مماثلة، وتجفيف المصدر الرئيس الذي كانت تعتمد عليه خزينة الدولة في تغطية النفقات التشغيلية ودفع مرتبات موظفي القطاع العام وتمويل الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والبنى التحتية، في إجراء واضح من دول التحالف الهادف إلى إفقار الدولة اليمنية وإخضاعها اقتصادياً وسياسياً.

وفي المقابل، تراجعت المساهمة القطاعية للنفط والمعادن في الناتج المحلي الإجمالي إلى أدنى مستوياتها التاريخية، مما أدى إلى اختلالات هيكلية في ميزان المدفوعات، وانخفاض حاد في المعروض من النقد الأجنبي، وما رافق ذلك من تداعيات مباشرة على القوة الشرائية للعملة الوطنية وارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات غير مسبوقة، إضافة إلى تراجع الثقة في المؤسسات المالية والمصرفية الوطنية وزيادة معدلات الفقر والبطالة في أوساط السكان، وهي نتائج كانت متوقعة ضمن الأهداف المعلنة للحرب التي تشنها السعودية بدعم أمريكي على اليمن.

ومما يجدر التنبه إليه أن هذه المتغيرات السلبية لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت كنتيجة حتمية لسياسة الحصار والإغلاق التي استهدفت شل حركة الاقتصاد الوطني وإخضاعه لإرادات خارجية، في إطار الحرب الاقتصادية الشاملة التي ترافق العدوان العسكري.

خنق الواردات واختناق الأسواق المحلية في ظل الحصار البحري

تجلى ذلك بوضوح في القيود المشددة والممارسات الممنهجة الصارمة التي تفرضها قوات التحالف السعودي على دخول سفن المشتقات النفطية والغازية عبر الموانئ اليمنية، حيث انخفض متوسط الواردات الشهرية من الوقود من 533 ألف طن إلى ثمانية وثمانين ألف طن فقط، بنسبة تراجع قاسية بلغت نحو 83%، وهو ما جعل البلاد في حالة عجز مزمن عن سد احتياجاتها من الوقود، حتى في ظل تراجع مستوى الاستهلاك نتيجة توقف معظم الأنشطة الاقتصادية والصناعية والخدمية، في مشهد يعكس بوضوح حجم الحصار الخانق المفروض على الشعب اليمني.

وعلى هذا النحو، انعكس الشح الحاد في الإمدادات الواصلة مباشرة على أسعار المشتقات النفطية في السوق المحلية، حيث سجل متوسط ارتفاع الأسعار زيادة لا تقل عن خمسين في المائة في أوقات الاستقرار النسبي، بينما تجاوزت الأسعار حاجز عشرة أضعاف قيمتها الطبيعية في فترات الأزمات الخانقة واشتداد الحظر البحري على شحنات الوقود في المحافظات المختلفة، مما زاد من الأعباء المعيشية على عاتق الأسرة اليمنية التي أصبحت تنفق نسبة متزايدة من دخلها المحدود على تأمين احتياجاتها الأساسية من الطاقة والوقود، وهو ما فاقم من حدة الفقر ووسع من رقعة الحرمان في صفوف الفئات الأكثر هشاشة، وأدى إلى موجات نزوح وهجرة داخلية غير مسبوقة نتيجة تفاقم الأوضاع المعيشية.

نزيف في سوق العمل وتسريح الكوادر الوطنية بفعل الحرب الاقتصادية

ومما لا مفر من الإشارة إليه أن الأضرار الاقتصادية الناجمة عن العدوان السعودي الأمريكي طالت بلا شك الجانب الاجتماعي والإنساني، حيث أدى التعطيل الشامل للشركات النفطية الأجنبية والمحلية وتوقف عمليات التنقيب والاستخراج، بسبب القصف المتواصل والحصار المفروض، إلى ضرب سوق العمل المباشر في هذا القطاع، إذ تشير الإحصاءات الرسمية إلى فقدان أكثر من 15 ألف عامل وفني ومهندس لوظائفهم ومصادر عيشهم الكريمة في القطاع النفطي والخدمات المرتبطة به، لينضموا إلى صفوف البطالة المتفاقمة التي يعاني منها المجتمع اليمني منذ سنوات العدوان، مع ما يمثله ذلك من فقدان للخبرات والكوادر الوطنية المدربة التي كانت تشكل رأس المال البشري الأهم في هذا القطاع الاستراتيجي، فضلاً عن الآثار الاجتماعية المترتبة على تزايد أعداد الأسر التي فقدت مصدر دخلها الوحيد في ظل غياب شبكات الأمان الاجتماعي الفاعلة وتدهور القدرات المؤسسية للدولة في توفير البدائل المناسبة لهذه الفئات المتضررة، وهي نتيجة مباشرة للسياسات الاقتصادية العدوانية التي تتبعها السعودية بدعم من الولايات المتحدة لإضعاف النسيج الاجتماعي اليمني.

وبالمثل، امتدت التداعيات إلى النسيج المجتمعي برمته، حيث تسببت الأوضاع الاقتصادية المتردية التي أوجدها العدوان والحصار في زيادة معدلات الهجرة الداخلية والخارجية، وتفكك الروابط الأسرية، وتزايد ظواهر العنف والجريمة المنظمة، فضلاً عن تردي مؤشرات التنمية البشرية في مختلف محافظات الجمهورية، وهو ما يجعل من استعادة عافية القطاع النفطي ضرورة إنسانية قبل أن تكون ضرورة اقتصادية، إذ أن الحفاظ على تماسك المجتمع اليمني واستقراره يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرة الدولة على توفير فرص العمل والدخل الكريم للمواطنين، وهو ما لا يمكن تحقيقه دون إحياء القطاع النفطي وإعادته إلى وضعه الطبيعي، ورفع الحصار الجائر الذي تفرضه قوى العدوان.

تداعيات تشغيلية عابرة للقطاعات الخدمية والحيوية نتيجة شح الوقود

من جهة أخرى، وبما أن النفط والمشتقات النفطية تمثل المحرك الأساسي لكافة القطاعات الخدمية والتنموية، فإن الشح الممنهج في الوقود، إلى جانب القيود المفروضة على منظومة الطاقة والمياه في إطار الحصار الشامل، أحدثت سلسلة من التداعيات التشغيلية الصعبة والممتدة إلى مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية، حيث انعكس ذلك بوضوح على قطاع الكهرباء والطاقة الذي تسبب احتجاز شحنات الوقود وتوقف الإمدادات في الخروج شبه التام لمعظم محطات توليد الكهرباء الحكومية عن الخدمة، مما أدخل مدناً رئيسية ومناطق واسعة في ظلام دامس، وضاعف المعاناة الإنسانية التي يتعرض لها الشعب اليمني جراء العدوان، وأثر بشكل مباشر على تشغيل المنشآت الخدمية والصناعية، وجعل الاعتماد على المولدات الأهلية المصدر الوحيد للتيار الكهربائي في كثير من المناطق، مع كل ما يرتبط بذلك من تكاليف باهظة وتلوث بيئي واضح.
فضلاً عن أن النقص الحاد في المشتقات النفطية قد تسبب في تعثر وتوقف التمويل التشغيلي لأكثر من 1265 مشروعاً حيوياً وميدانياً في مجالات النقل المباشر، وأعمال النظافة والتحسين، وإدارة البيئة، مما أدى إلى تراكم النفايات في بعض المراكز الحضرية وظهور مخاطر بيئية وصحية على السكان، كما أثر بشكل كبير على قدرة المؤسسات الخدمية في تأدية مهامها اليومية، وزاد من معاناة المواطنين في التنقل والوصول إلى الخدمات الأساسية، وأسهم في تدهور المشهد الحضري في كثير من المدن والمناطق التي كانت تشهد تقدماً ملحوظاً في مستويات النظافة والتحسين قبل اندلاع العدوان الغاشم.

توقف شبكات التوزيع وانهيار قطاع النقل في ظل الحصار

وفي سياق متصل، فإن شبكات التوزيع والتجزئة قد تأثرت بصورة واسعة جراء شح الكميات وتدمير المنشآت بسبب الغارات الجوية المتواصلة، مما أدى إلى توقف تموين أكثر من 2000 محطة وقود كانت تقدم خدماتها للمواطنين ووسائل النقل العام والخاص في مختلف المناطق، مما خلق أزمة إمداد حادة في العديد من المحافظات، وزاد من اعتماد المواطنين على السوق الموازية غير المنظمة، ورفع من تكاليف النقل والشحن الداخلي، وبالتالي أسهم في زيادة أسعار السلع والمواد الغذائية والاستهلاكية بشكل مضطرد، وأثر سلباً على حركة التجارة الداخلية والتبادل التجاري بين المحافظات، في مشهد يعكس حجم الدمار الذي ألحقته الحرب السعودية الأمريكية بالبنية التحتية للاقتصاد اليمني.

تعطل قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات جراء انقطاع الطاقة

ومما يعزز هذه المعطيات أن قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات قد عانى بشكل مماثل من تداعيات العدوان والحصار، حيث أدت أزمة الوقود وانقطاع الطاقة إلى تعطيل وتوقف تسعة وسبعين في المائة من مشاريع ومحطات الاتصالات وتقنية المعلومات، نظراً لاعتماد الأبراج والمسناد الفني على مولدات الديزل لتأمين التيار، مما هدد بعزل مناطق واسعة وضعف جودة خدمات الاتصال والانترنت، وأثر على الأعمال التجارية والخدمات المصرفية والتعليم عن بعد، وزاد من عزلة المجتمعات المحلية وحال دون استفادتها من الفرص التي تتيحها التكنولوجيا الحديثة، كما أثر على قدرة المؤسسات الحكومية والخاصة في التواصل مع شركائها والمستفيدين من خدماتها، مما زاد من تعقيد الأوضاع الخدمية والإدارية في عموم البلاد، وأسهم في تعميق الأزمة الإنسانية التي يعاني منها الملايين.

تهديد الأمن الغذائي وانهيار القطاع الزراعي

علاوة على ذلك، لحق الضرر الأكبر بالمزارعين الذين يعتمدون كلياً على المشتقات النفطية لضخ مياه الري وتشغيل الآلات الزراعية، حيث تضرر بشكل مباشر أكثر من مليون و200 ألف مزارع، مما أدى إلى تقليص المساحات المزروعة، وتلف العديد من المحاصيل، وارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، مهدداً الأمن الغذائي المحلي ومركزاً مزيداً من الضغوط على الأسر اليمنية في تأمين غذائها اليومي، خاصة في ظل تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع أسعار المستورد من المواد الغذائية نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والشحن والتأمين، فضلاً عن الاحتجاز الممنهج لسفن المواد الغذائية في موانئ التحالف، مما جعل البلاد أكثر اعتماداً على المساعدات الإنسانية والغذائية الدولية، وفقدانها لقدرتها على تحقيق الاكتفاء الذاتي في جانب حيوي من جوانب الأمن القومي، وهو ما يعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

أزمة المياه والصرف الصحي في ظل الحصار

وفي الوقت نفسه، واجه قطاع المياه والصرف الصحي أزمة تشغيلية حادة نتيجة عجز المضخات ومحطات المعالجة عن التزود بالوقود اللازم بسبب الحصار المفروض على دخول المشتقات النفطية، وهو ما أسفر عن تعثر تموين 22975 مشروع مياه وصرف صحي في المدن والأرياف، وحرم ملايين المواطنين من الحصول على مياه الشرب النقية، وزاد من انتشار الأمراض والأوبئة المنقولة عبر المياه، وألقى بظلال ثقيلة على الصحة العامة، خاصة في صفوف الأطفال وكبار السن والفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، كما ضاعف من الأعباء على القطاع الصحي الذي كان يعاني أصلاً من شح الإمكانيات والكوادر الطبية نتيجة سنوات العدوان المتواصلة.

شلل القطاع الصحي وتهديد حياة المرضى جراء العدوان

ومما يعكس حجم المأساة التي يتعرض لها الشعب اليمني جراء العدوان السعودي الأمريكي والحصار الجائر أن القطاع الصحي والمستشفيات قد مثل شح الوقود فيها تهديداً مباشراً لحياة المرضى في مرافق الرعاية الصحية، حيث تسبب في تعثر تموين وتأمين الطاقة التشغيلية 4500 مستشفى ومركز ومرفق صحي في المحافظات، مما هدد بتوقف غرف العمليات، وعنايات المركزة، وأقسام الغسيل الكلوي، وحضانات الأطفال حديثي الولادة، وهدد حياة الآلاف من المرضى الذين كانوا يعتمدون على هذه الخدمات الحيوية، وزاد من معدلات الوفيات والأمراض المزمنة، وأسهم في تردي المؤشرات الصحية في البلاد، وضاعف من الأعباء على الكوادر الطبية والتمريضية التي كانت تعمل في ظروف بالغة الصعوبة ونقص حاد في الإمكانيات اللازمة، مما جعل النظام الصحي الوطني على شفا الانهيار التام في معظم المحافظات، وهي جريمة إنسانية تضاف إلى سجل انتهاكات التحالف السعودي الأمريكي.

مطالبات بدعم التعافي وحماية المقدرات الوطنية من العدوان

ومن ثم، فإن وزارة الاقتصاد والصناعة والاستثمار التابعة لحكومة صنعاء قد أكدت في ختام بياناتها أن استهداف قطاع النفط والمعادن من قبل التحالف السعودي الأمريكي لم يكن مجرد خسارة مالية عابرة أو أضرار اقتصادية محدودة الأثر، بل كان استراتيجية ممنهجة تهدف إلى إفراغ الاقتصاد الوطني من مقومات صموده، وتحويل البلاد من وضع الاستقلال المالي والاعتماد على الذات إلى الاعتماد الكلي على المساعدات الخارجية والإغاثات الدولية، مما يجعل السيادة الوطنية مرهونة بإرادات خارجية وقرارات لا تراعي المصالح العليا للشعب اليمني، وذلك في إطار الحرب الاقتصادية الشاملة التي ترافق العدوان العسكري.

ولعل ما تعكسه هذه المعطيات الرقمية والوصفية من حقائق مروعة يستدعي التوقف طويلاً عند مضامينها، فالحصيلة الثقيلة التي تجاوزت السبعة والخمسين مليار دولار لا تعكس فقط ما فقدته البلاد من ثروات طبيعية ومنشآت إنتاجية، بل تجسد أيضاً خسارة في فرص التنمية والتقدم التي كانت ستغير واقع الملايين من اليمنيين لو استمرت عجلات الإنتاج في الدوران دون أن تعترضها آلة العدوان والحصار.

ومن هذا المنطلق، شددت الوزارة على أن حجم الأضرار المباشرة وغير المباشرة يتطلب جهوداً وطنية ودولية حثيثة لمساندة خطط التعافي الاقتصادي، وإعادة إعمار البنية التحتية المتضررة، ورفع كافة القيود الصارمة التي يمارسها التحالف السعودي ضد سفن الوقود والمواد الأساسية، ومحاسبة دول العدوان على ما تسببوا به من دمار للاقتصاد الوطني، بما يضمن استعادة هذا القطاع الحيوي لدوره في خدمة التنمية المستدامة واستقرار المعيشة للشعب اليمني، والعودة به إلى ما كان عليه قبل العدوان الغاشم من موقع ريادي في الاقتصاد الوطني والمنطقة ككل.

خسائر تراكمية وأفق التعافي رغم الحصار

وبالتالي، فإن ما توصلت إليه التقييمات الرسمية من أرقام ومؤشرات لا يعكس الحجم الحقيقي للكارثة التي حلت بالاقتصاد اليمني جراء الحرب السعودية الأمريكية، حيث أن الخسائر المباشرة التي تم حصرها في قطاع النفط والمعادن لا تشمل الآثار غير المباشرة الممتدة إلى كافة القطاعات الأخرى، ولا تتضمن تكاليف إعادة التأهيل والإعمار التي ستكون بحاجة إلى استثمارات ضخمة وفترة زمنية طويلة لتعويض ما تم تدميره خلال سنوات العدوان والحصار، كما أن الأرقام المذكورة لا تأخذ بعين الاعتبار الأثر التراكمي للخسائر على مدى السنوات القادمة، حيث أن توقف عمليات الاستكشاف والتنقيب يعني خسارة مستقبلية في الاحتياطيات المؤكدة والمحتملة، وتأجيلاً لعقود التنمية التي كانت ستوفر فرص عمل ومداخيل كبيرة للدولة والمجتمع، وهو ما يخدم الأهداف الاستراتيجية للعدوان الرامية إلى إبقاء اليمن في دائرة الفقر والتبعية.
إن استعادة القطاع النفطي لعافيته تتطلب أكثر من مجرد وقف العدوان ورفع الحصار، بل تحتاج إلى إعادة بناء شاملة للمؤسسات والبنى التحتية، وتأهيل الكوادر الوطنية التي فقدت وظائفها أو هاجرت خارج البلاد جراء الحرب، واستقطاب استثمارات جديدة تعوض ما تم تدميره من معدات وآليات، وتطوير الأطر القانونية والتنظيمية التي تضمن استغلال الموارد النفطية بما يحقق المصلحة الوطنية ويعزز الشفافية والمساءلة في إدارة الثروات السيادية.
كما أن تجاوز تداعيات هذه الأزمة يتطلب تعاوناً إقليمياً ودولياً لإعادة إعمار ما دمر وتوفير البيئة الآمنة والملائمة لعودة الشركات العالمية للعمل في اليمن، وتقديم الدعم الفني والمالي اللازم لإعادة تأهيل القطاع وتحديثه وفق أحدث المعايير العالمية، والاستفادة من التجارب الدولية الناجحة في إعادة بناء القطاعات النفطية في الدول التي مرت بظروف مشابهة، مع ضرورة محاسبة دول العدوان على ما تسببوا به من دمار للثروات الوطنية اليمنية.

وفي ختام هذا التقرير، يمكن القول بثقة إن قطاع النفط والمعادن اليمني يمثل حالة فريدة من نوعها في المنطقة، حيث تحول خلال سنوات العدوان السعودي الأمريكي من قطاع منتج ومصدر للثروة إلى قطاع متوقف ومكبل بالقيود، تاركاً خلفه سلسلة من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية التي ستظل آثارها ماثلة لعقود قادمة إذا لم تنفذ السعودية بنود خارطة الطريق التي وقعت عليها في العام 2022، والتركيز على التنمية المستدامة كخيار استراتيجي ينهي معاناة شعب ظل لأكثر من عقد يعاني من ويلات الحرب والحصار والتشريد التي يشنها التحالف السعودي الأمريكي، في وقت كانت موارده الطبيعية تكفيه لتأمين حياة كريمة لأبنائه وتحقيق نقلة نوعية في مسيرته التنموية، لو لم تعمد أيادٍ خارجية وداخلية إلى تدميرها وتجفيف منابعها، تاركة وراءها خراباً ينتظر من يعيد بناءه وأملاً ينتظر من يبعث فيه الحياة من جديد.

قد يعجبك ايضا