منذ مطلع العام 2016، يكابد سكان مدينة عدن وبقية المحافظات الجنوبية والشرقية لليمن الخاضعة للسيطرة السعودية واقعا معيشيا وخدميا مأساويا لم يعد بالإمكان الصبر عليه جراء تفاقم الأزمات الممنهجة التي تديرها الرياض.
وتعكس الأجندات التي تسعى الرياض لفرضها جنوب وشرق اليمن، حجم المخاطر والمؤامرات المستمرة طيلة السنوات العشر الماضية، التي أثبتت زيف الوعود التي كانت تطلقها السعودية لتخدير الشارع الرافض للوصاية السعودية.
وشهدت الأزمات المختلفة اتساعا متصاعدا وخطيرا لأشكال الانهيار الاقتصادي في عدن وبقية المناطق التي تسيطر عليها السعودية عقب استهداف الأخيرة بواسطة الطيران الحربي فصائل المجلس الانتقالي في وادي حضرموت بعد سيطرتها على معسكرات حزب الإصلاح نهاية ديسمبر الماضي التي خلفت أكثر من ألف قتيل وجريح، وما تمخض عنها من قرار حل المجلس الانتقالي مطلع يناير الماضي، ومحاولة اغتيال رئيس المجلس “عيدروس الزبيدي” الذي استطاع الفرار من عدن بحرا إلى الصومال ومنها إلى أبوظبي في الإمارات وفق الرواية العسكرية السعودية.
واتجهت السعودية بواسطة قوات “الطوارئ، درع الوطن” لفرض أمر واقع في عدن وصولا إلى المهرة وحضرموت مع استمرارها في تفكيك الفصائل التابعة للانتقالي تحت غطاء ما يسمى “الدمج والهيكلة”، وبإشراف مباشر من “طاهر العقيلي” وزير الدفاع” التابع لحزب الاصلاح، بهدف واضح لتجريد الجنوبيين من قواهم وإخضاعهم كليا للأجندات السعودية.
ولم يكن الضغط على الحياة اليومية للمواطنين في عدن وبقية المناطق إلا سلوكا قسريا يهدف لممارسة أقصى درجات الضغط على الشارع الجنوبي الذي يرفض الوصاية السعودية، في حين تعتمد بواسطة مندوبي “اللجنة الخاصة” في عدن وبقية المحافظات فرض سياسة العقاب الجماعي وحرب الخدمات الممنهجة لإيصال المواطنين إلى نقطة العجز والقبول بالإملاءات التي تريدها الرياض وفي مقدمتها إعادة تمكين الموالين لها من القوى التقليدية التي يطلق عليها الشارع الجنوبي “عصابة 7.7″، إلى قصر معاشيق بعدن، التي فقدت مصالحها ونفوذها في صنعاء منذ انطلاق الحرب في مارس 2015م.
وتتجلى صور العقاب الجماعي الذي تنفذه اللجنة الخاصة السعودية بواسطة السلطات الموالية لها في مشاهد يومية قاسية، حيث يقف الأهالي من كبار السن والأطفال في طوابير طويلة لا تنتهي تحت لهيب الشمس الحارقة ولأيام بحثا عن أسطوانة غاز منزلي إثر التعمد المباشر بخفض الحصص والكميات من قبل شركة الغاز في “صافر” التي يسيطر عليها الإصلاح في مأرب.
كما لم تكن بقية الخدمات من المياه التعليم والصحة وكذلك الكهرباء مختلفة عن أزمة الغاز الخانقة، مع استمرار الانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي في عدن وبقية المحافظات لأكثر من 8 ساعات متواصلة مقابل ساعتين فقط من التشغيل، مع تفاقم الانهيار الاقتصادي وانقطاع مرتبات الموظفين، يجد الشارع الجنوبي نفسه أمام حصار شامل وأزمات مصطنعة تدار تفاصيلها من الغرف المظلمة لـ “اللجنة الخاصة” السعودية.
وتتجاوز أبعاد حرب الخدمات وسياسة التجويع السعودية الممنهجة حدود الخنق المعيشي إلى ما هو أكثر خطورة من ذلك، إذ تستغل الرياض الحالة الاقتصادية المتردية وضعف القدرة الشرائية لاستقطاب آلاف الشباب والموظفين والمواطنين الذين دفعتهم الحاجة الملحة للالتحاق بفصائل جديدة يتم تجنيدها من قبل قيادات سلفية متطرفة في عدن وبقية المحافظات لتكون موازية لفصائل الانتقالي عقب رفض الأخيرة المشاركة في الحرب السعودية على صنعاء في مختلف الجبهات، باعتبار الحرب لا تخدم القضية الجنوبية.
ووفق المعطيات، فإن الرياض تسعى عبر هؤلاء المجندين الجدد الذين يتم إخضاعهم لتعبئة فكرية ومذهبية من قبل الجماعات السلفية المتطرفة إلى الحد من نفوذ الانتقالي الميدانية وتكريس حضورها ونفوذها المباشر في عدن وبقية المناطق الجنوبية وفق إملاءات مندوبي “اللجنة الخاصة” السعودية مع استمرار احتجاز وفد الانتقالي في الرياض للشهر الثامن على التوالي.
وعلى الرغم من حالة الانهاك الخدمي والتضييق المعيشي للمواطنين الذين لا حول لهم ولا قوة، تزداد الاصوات والمطالبات الشعبية المطالبة بوضع حد عاجل لهذه الأزمات المفتعلة وإنهاء سياسات التجويع والإخضاع لفرض المشاريع والأجندات الخارجية في جنوب اليمن، وسط مطالبات بالتصعيد الميداني وصولا إلى ما اسموه “الكفاح المسلح” ضد الوصاية السعودية.