لم تستقبل “إسرائيل” سيطرة صنعاء على باب المندب باعتبارها مجرد تطور في خارطة صراع اليمن مع السعودية، بل كشفت ردود الفعل “الإسرائيلية” عن مخاوف مباشرة تتصل بأمن “إسرائيل” وحركة الملاحة المرتبطة بها ،فبالتزامن مع الحديث عن إحكام صنعاء قبضتها على محيط المضيق، خرج مسؤول “إسرائيلي” عبر القناة 12 محذراً من أن التطور قد يكون “أسوأ من هرمز”، وقال إن قوات صنعاء باتت في موقع يمكنها من رؤية السفن واستهدافها مباشرة، بما يمنحها قوة هائلة،وتحول هذا التحذير إلى واحد من أبرز عناوين الإعلام “الإسرائيلي” في التعامل مع التطور الجديد.
ولم يتوقف الأمر عند التحذيرات الإعلامية؛ فرئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير ربط تطورات باب المندب صراحةً بالتهديدات التي تواجه “إسرائيل” .. فيما أوردت “جيروزاليم بوست” عن استعداد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لانضمام “إسرائيل” إلى جهد إقليمي أوسع لمواجهة صنعاء، وعرضه تقديم مساعدة لدول في شبه الجزيرة العربية في إشارة واضحة الى السعودية ، بحسب مصادر دبلوماسية أمريكية نقلتها الصحيفة.
وهنا تبدو الصورة أكثر وضوحاً؛ فـ”إسرائيل” التي واجهت خلال حرب طوفان الأقصى تداعيات العمليات اليمنية ضد السفن المرتبطة بها في البحر الأحمر، تجد نفسها اليوم أمام تحول جغرافي نوعي، بعدما انتقلت قوات صنعاء من القدرة على تهديد الملاحة “الاسرائيلية” من مسافات بعيدة نسبياً إلى الاقتراب من نقطة الاختناق البحرية نفسها والسيطرة على مواقع وجزر تشرف مباشرة على باب المندب.
ولهذا فإن تقديم التطور في بعض التغطيات “الإسرائيلية” تحت عنوان “تهديد التجارة العالمية” لا يلغي وجود مصلحة “إسرائيلية” مباشرة في هذه المسألة، فحين يحذر مسؤول “إسرائيلي” من أن باب المندب قد يكون “أسوأ من هرمز”، وحين تتحدث تقارير عن استعداد نتنياهو للانخراط في جهد إقليمي ضد صنعاء، فإن ذلك يكشف أن المسألة بالنسبة إلى “تل أبيب” تتصل أيضاً بقدرة صنعاء على التأثير في الملاحة التي تمس “إسرائيل” بصورة مباشرة.
والمفارقة أن المخاوف “الإسرائيلية” تصاعدت في اللحظة التي أصبحت فيها صنعاء تسيطر جغرافياً على المضيق، بشكل يختلف عن لغة “إسرائيل” حين كانت القوى الموالية للسعودية والإمارات تسيطر على مواقع واسعة في الساحل الغربي لليمن ومحيط باب المندب.
ومن هنا يمكن فهم لهجة القلق “الإسرائيلي” فالمسألة ليست فقط من يسيطر على ممر تمر عبره نسبة مهمة من التجارة العالمية، وإنما من يمتلك القدرة على التأثير في البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، بعدما أثبتت صنعاء خلال السنوات الماضية قدرتها على جعل الملاحة المرتبطة بـ “إسرائيل” جزءاً من معادلة الصراع.
وإذا كانت صنعاء قد تمكنت من فرض هذه المعادلة وهي أبعد نسبياً عن باب المندب، فإن وصولها إلى ذباب وميون ومحيط المضيق يفسر لماذا انتقلت ردود الفعل “الإسرائيلية” من الحديث عن تهديد للملاحة العالمية إلى التحذير من خطر أسوأ من هرمز، وإلى الحديث عن جبهة بحرية لم تعد بعيدة عن “إسرائيل” وهو حديث قاله ما يسمى قائد سلاح البحرية في “إسرائيل” إيال هاريل تعليقا على سيطرة صنعاء على باب المندب.
.