المصدر الأول لاخبار اليمن

رئاسة مدى الحياة: كيف يعيد ترامب صياغة النظام العالمي على مقاسه الشخصي؟

تحليل | وكالة الصحافة اليمنية

 

بينما كانت أروقة الأمم المتحدة في نيويورك تعج بالخطابات المكررة، شهد “منتدى دافوس” ولادة كيان جديد “مجلس ترامب للسلام”، حيث وقع ترامب على ميثاقه التأسيسي خلال أعمال منتدى دافوس الاقتصادي العالمي بحضور ممثلين عن دول محدودة.

“مجلس السلام” الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي ترامب، ليس مجرد طاولة مستديرة للمفاوضات، بل هو “مجلس إدارة” جديد للشرق الأوسط، يدار بعقلية الشركات الكبرى لا بعقلية الدبلوماسيين.

تكمن خطورة هذا المجلس في أنه يعمل خارج إطار القوانين الدولية التقليدية،

ترامب، العائد بزهو “رجل الصفقات”، نجح في إقناع قوى إقليمية بأن “السلام الاقتصادي” هو الحل الوحيد المتبقي. وبموجب ميثاق المجلس، تم ربط العضوية الدائمة بمساهمات مالية مليارية، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل أصبح للسلام ثمن يُشترى بالمال؟

يمكن اعتبار “المجلس” أحد إفرازات الحرب على غزة فالمهمة الأولى والمصيرية لهذا المجلس، هي إدارة قطاع غزة بعد الحرب، لتحويلها إلى منطقة منزوعة السلاح تمامًا، تُدار عبر شركات أمنية دولية تابعة للمجلس الذي يترأسه ترامب، ما يعني عمليًا إزاحة أي دور سياسي للفصائل أو حتى للسلطة الفلسطينية بشكلها القديم.

لقد تعمدت الإدارة الأمريكية تعزيز النفوذ الشخصي لترامب بترأسه المجلس شخصيًا، ومنحه صلاحيات واسعة تشمل تعيين الأعضاء، تشكيل الهيئات الفرعية، تعديل الهيكل، وحتى حل المجلس وفقًا للميثاق، يمكن لترامب أن يتخذ قرارات دون استشارة الأعضاء، ويحتفظ بالرئاسة مدى الحياة إلا إذا تنازل عنها، الأمر الذي يعكس نهج ترامب في إنشاء هيكل دولي يخضع لسيطرته المباشرة بدلاً من الاعتماد على منظمات متعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة.

في السياق، يُرى المجلس كأداة لتعزيز نفوذ ترامب بعد انتهاء ولايته الرئاسية في 2029، مما يجعله “بديلاً شخصيًا” لمجلس الأمن الدولي.

سقف طموحات ترامب العالي بتأييد دولي كبير اصطدم بواقع شبه محبط، ترامب الذي دعا 60 دولة لحضور حفل التوقيع، فوجئ بأن الحضور الدولي لا يتجاوز 20 دولة، منها السعودية، الإمارات، قطر، تركيا، الأردن، مصر، المغرب، باكستان، إندونيسيا، بالإضافة إلى دول أخرى مثل هنغاريا، فيتنام، الأرجنتين، أرمينيا، أذربيجان، البحرين، بيلاروسيا، كازاخستان، كوسوفو، أوزبكستان، فيما غاب حلفاء أمريكا التقليديين مثل بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، كندا، وإيطاليا، النرويج، السويد، بسبب مخاوف من أن يكون المجلس منافسًا للأمم المتحدة وتحت سيطرة ترامب، إضافة إلى أن هذه الدول ترى الانصياع لقرارات مجلس يرأسه زعيم دولة أخرى يمثل انتهاكاً لسيادتها ودساتيرها التي تمنع التبعية المطلقة لكيانات غير منتخبَة دولياً.

وفقاً لتحليلات الخبراء الدوليين، تكمن خطورة هذا المجلس في عدة جوانب سياسية، قانونية، واقتصادية، حيث ترى الدول أن المجلس صُمم ليكون بديلاً لمجلس الأمن الدولي، والعمل خارج إطار القانون الدولي التقليدي.

وبينما يعتمد مجلس الأمن على التوافق بين القوى الكبرى، يعتمد “مجلس السلام” على إرادة الدولة القائدة (أمريكا) والشركاء المختارين بعناية.

وفيما يخص القضية الفلسطينية، لا يضمن ميثاق المجلس بوضوح إقامة دولة فلسطينية مستقلة، بل يركز على “الإدارة الاقتصادية والأمنية”، مما قد يؤدي لتمييع القضية السياسية.

المحللون اعتبروا أن أخطر بنود المجلس هو ربط العضوية الدائمة والقرار بالقدرة المالية، حيث تم فرض مساهمة قدرها مليار دولار للحصول على مقعد دائم يحول صناعة السلام إلى “نادي للأثرياء” فقط، ويستبعد الدول الفقيرة أو النامية من التأثير في القرارات الدولية التي تمس أمنها.

اقتصاديًا هناك مخاوف من أن المجلس قد يمنح الشركات الكبرى (المرتبطة بالدول الأعضاء) الأولوية في عقود إعادة الإعمار، مما يجعل “السلام” استثمارًا ربحيًا أكثر من كونه هدفًا إنسانيًا.

ومن بين المخاوف الكبيرة التي تحيط بتشكيل المجلس هو البند الذي يمنح الرئيس الأمريكي ترامب رئاسة المجلس؛ كونه سيربط المجلس وقرارته بشخص لا بمؤسسة، مما يجعل الاستقرار العالمي هشاً ومرتبطاً بتقلبات السياسة الداخلية الأمريكية.

إن تحويل النظام العالمي من “نظام مبني على القواعد والقوانين الدولية” إلى “نظام مبني على الصفقات والقوة المالية”، يهدد بانهيار المنظومة الدولية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية.

دوافع شخصية لـ ترامب

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات تطرق إلى “مجلس ترامب للسلام”، حيث قال إن الدوافع الشخصية وراء إصرار ترامب على إنجاز اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بعضها يرتبط بنزعته النرجسية ورغبته في ترك إرث سياسي دائم، وطموحه في الحصول على جائزة نوبل للسلام، وبعضها الآخر يعكس تصاعد التذمّر داخل قاعدته الانتخابية اليمينية من النفوذ الإسرائيلي المتزايد في الولايات المتحدة، ومن تورّط واشنطن في صراعات لا ترتبط مباشرة بأمنها القومي.

قد يعجبك ايضا