المصدر الأول لاخبار اليمن

في قلب آسيا.. “الدور الوظيفي” للاحتلال من منظور التجربة الفيتنامية

تقرير | وكالة الصحافة اليمنية

 

 

لفهم الصراع العربي الإسرائيلي، على أن ما يقوم به الاحتلال هو امتداد للاستعمار الغربي في قارة آسيا، يجب التأكيد أولا على أن “إسرائيل” جزء من مشروع استعماري استيطاني نشأ في كنف القوى الإمبراطورية الغربية.

لم يكن قيام “إسرائيل” معزولاً عن السياق الاستعماري الأوروبي في القرن التاسع عشر، حيث اعتمد الصهاينة، بشكل كلي على الدعم الإمبراطوري.

لقد كان وعد بلفور في 1917 نقطة تحول في مسار الحركة الصهيونية، حيث منحت بريطانيا (كقوة استعمارية) أرضاً لا تملكها لشعب لا يسكنها، وذلك لخدمة مصالحها في تأمين قناة السويس والطريق إلى الهند.

وفق سياسيون يُشار إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يؤدي “دورًا وظيفيًا” لصالح الغرب في المنطقة العربية يأتي في مقدمة هذا التوظيف، اعتبار الاحتلال مختبرًا للتقنيات العسكرية والأمنية الغربية، حيث يتم اختبار الأسلحة وأنظمة المراقبة في الميدان ثم تصديرها للعالم.

وعلى الرغم من وجود الاحتلال جغرافيًا في قارة آسيا، إلا أنه سياسيًا وجغرافيًا وثقافيًا واقتصاديًا أداة غربية كون كل مشاركته الخارجية تتم في الوسط الأوروبي، ويرتبط باتفاقيات تجارية وعسكرية تجعله امتدادًا عضويًا للمنظومة الغربية في قلب القارة الآسيوية.

بعد الحرب العالمية الثانية عادت الدول المتحاربة إلى قواعدها وبلدانها؛ إلا أنها لم تتخل عن أذرعها في الدول التي تواجدت فيها، ومع مرور الوقت، تم زرع الاحتلال في قلب الوطن العربي بشكل خاص وآسيا بشكل عام، ليكون حجر زاوية حياكة المؤامرات والخطط وتنفيذ أطماع الغرب ضد الأمتين العربية والإسلامية.

تعتبر الولايات المتحدة الراعي الرئيسي للاحتلال الإسرائيلي، الذي يستنسخ البلطجة الأمريكية في سياسته الخارجية، والاعتداء على الدول دون مبرر وبدون وجه حق.

التواجد الأمريكي في فيتنام 

إذا عدنا للوراء، تحديدًا إلى التواجد الأمريكي في فيتنام، كانت النظرة الاستعمارية لـ فيتنام ترتكز على الايدلوجية العسكرية، ضمن سياق الحرب الباردة، حيث سعت الولايات المتحدة من خلال ذلك إلى تحويل فيتنام إلى قاعدة نفوذ كبرى في آسيا لمنع تمدد الشيوعية.

كانت فيتنام خاضعة للاحتلال الفرنسي، عقب الحرب العالمية الثانية، وبعد هزيمتها عام 1954 أمام القوات الفيتنامية، في معركة “ديان بيان فو”، لتتدخل أمريكا في فيتنام بشكل تدريجي، بعد تقسيم فيتنام شمالًا وجنوبًا، لتبدأ بإرسال مساعدات مالية ومستشارين عسكريين لدعم حكومة فيتنام الجنوبية، وفي عام 1964 منح الكونغرس الرئيس “جونسون” سلطة شن حرب واسعة، ووصل عدد الجيش الأمريكي في فيتنام إلى 500 ألف جندي خلال أربع سنوات من تاريخ تواجدهم هناك.

استخدمت أمريكا خلال حربها في فيتنام قوة نيران هائلة لتعويض عدم معرفتها بطبيعة الأرض والغابات، كما قامت برش مادة كيميائية قنابل الفسفور السامة التي سميت (العامل البرتقالي) لإبادة الغابات التي يختبئ فيها المقاتلون، مما أدى لنتائج كارثية على البيئة والبشر لا تزال آثارها مستمرة، بحسب عسكريين ألقت أمريكا قنابل على فيتنام أكثر من تلك التي تم إلقاءها في الحرب العالمية الثانية.

لقد قامت القوات الأمريكية خلال الفترة (1955-1975)، بارتكاب عدة فظائع ومجازر ضد المدنيين الفيتناميين، لقد كانت تلك الأحداث جزءا من سياسة عسكرية أوسع في سياق الحرب الباردة.

كانت أولى تلك المجازر في قرية ( ماي لاي) بمقاطعة كوانغ نجاي بتاريخ 16 مارس 1968، حيث قامت الفرقة الأمريكية 23 بمهاجمة القرية وقتلت ما بين 347-504 مدنياً ، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن، بعدها بعامين 1970 قام جنود أمريكيون بقتل20 مدنيًا بما في ذلك نساء وأطفال في قرية سون ثانغ وسميت العملية بـ (سبرينغ هاي)، كما نفذ الجيش الأمريكي عمليات “فينيكس” (1968-1972)، كانت طبيعة هذه العمليات تنفيذ اغتيالات بقيادة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA)، قتل خلال العمليات 41,000 مدنيًا بتهمة التعاون مع الفيتكونغ، دون محاكمات؛ لتعتبر تلك المجازر فصلاً مظلماً في التاريخ الأمريكي، وكشفت عن الآثار الأخلاقية والنفسية للحرب على المدنيين والجنود على حد سواء.

فشل أمريكي مرير

رغم التفوق التكنولوجي، فشلت الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها لعدة أسباب في مقدمتها تفوق أصحاب الأرض والإرادة الشعبية على الطائرات والمدافع، وباعتبار الحرب على فيتنام أول حرب متلفزة فقد شاهد الأمريكيون جثث جنودهم والجرائم المرتكبة بحق أبناء فيتنام، مما أدى لانتفاضة شعبية وطلابية داخل أمريكا ضد الحرب، لتوقع أمريكا بعد ذلك اتفاقية باريس للسلام 1973 وسحب قواتها، لتتوحد في 1975 فيتنام تحت راية الشيوعية.

عند النظر لفيتنام كنموذج للاستعمار الغربي في آسيا، نجد تقاطعات متناقضة، حيث حاولت أمريكا فرض نظام سياسي واقتصادي غربي على مجتمع آسيوي يرفضه.

كانت حرب فيتنام واحدة من أكثر الصراعات دموية في القرن العشرين، وتسببت في خسائر بشرية هائلة لا تزال آثارها (خاصة الناجمة عن الأسلحة الكيميائية) باقية حتى اليوم.

دفع الشعب الفيتنامي ثمنًا كبيرًا في هذه الحرب، سواء في الشمال أو الجنوب، تُشير التقديرات إلى مقتل ما بين 1,000,000 إلى 2,000,000 مدني فيتنامي، سقط معظمهم بسبب القصف الجوي الأمريكي الكثيف، والمواد الكيميائية (مثل النابالم والعامل البرتقالي)، والمجازر الميدانية، أما ما خلفته المادة الكيميائية “العامل البرتقالي” التي رشتها أمريكا من إصابات فقد بلغت نحو 4.8 مليون فيتنامي بأمراض مزمنة وسرطانات، كما ولد مئات الآلاف من الأطفال بـ تشوهات خلقية قاسية نتيجة التلوث البيئي المستمر في التربة والمياه.

تتفق معظم الدراسات الحديثة على أن إجمالي عدد القتلى من جميع الأطراف يتراوح بين 2.5 مليون إلى 3.5 مليون إنسان، الغالبية العظمى منهم من الآسيويين (فيتنام، لاوس، كمبوديا).

تتشابه المجازر التي ارتكبها الجيش الأمريكي في فيتنام مع ما يقوم به الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين في كونها تعبيرًا عن “عقيدة التفوق العسكري” التي تحاول كسر إرادة الشعوب عبر استهداف الحاضنة الشعبية للمقاومة.

استراتيجية الانتقام

في كلتا الحالتين، عندما يفشل الجيش النظامي في القضاء على المقاتلين (الفيتكونغ الفيتنامي أو المقاومة الفلسطينية)، يتوجه للانتقام من المدنيين، في فيتنام كانت استراتيجية “البحث والتدمير” تهدف لحرمان المقاتلين من الدعم الشعبي عبر حرق القرى بالكامل، وفي فلسطين المحتلة تم تدمير المربعات السكنية والبنية التحتية بالكامل لجعل تكلفة احتضان المقاومة غير محتملة للمدنيين.

عمل الجيش الأمريكي على تصوير المقاومين في فيتنام بالوحوش وأنهم لا يستحقون الحياة، لإيجاد غطاء يبيح قتلهم للمدنيين بهمجية، دون شعور بالذنب، وهو ما يستخدمه الاحتلال الإسرائيلي في توصيف رجال المقاومة في فلسطين، مثل إطلاق ألقاب “الحيوانات البشرية” أو “الإرهابيين” لتبرير القصف العشوائي للمدنيين والأطفال.

أما ما يتعلق بارتكاب المجازر التي تُرتكب بدم بارد، فهناك تشابه كبير في طبيعة تلك العمليات؛ فتكررت مشاهد الإعدامات الميدانية واستهداف النازحين في المدارس والمستشفيات، وهي تعكس نفس عقلية “الإفلات من العقاب” التي تمتع بها الجنود الأمريكيون في فيتنام.

استخدم الطرفان تقنيات عسكرية تهدف لإبادة الحياة وليس فقط المقاتلين، أمريكا استخدمت مواد كيميائية سامة، لحرق الغابات والمدنيين، فيما استخدم الاحتلال الإسرائيلي “الفوسفور الأبيض” المحرم دولياً في مناطق مكتظة، إضافة إلى استخدام سياسة الأرض المحروقة وتدمير المحاصيل الزراعية وتسميم الآبار لمنع الحياة وتجريف الأراضي الزراعية، وقطع الكهرباء، حتى وصل التشابه حد إجبار السكان على النزوح ومن ثم استهدافهم في المناطق التي نزحوا إليها.

ولأن حرب فيتنام كانت أول حرب مصورة، كشفت وحشية أمريكا في تعاملها مع المدنيين وقتلهم دون مبرر، كان للإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي واتساع رقعة النقل والبث لمختلف دول العالم دورًا في كشف مجازر الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين المحتلة، مما خلق فجوة ضخمة بين خطاب الحكومات الغربية وبين الواقع الدموي على الأرض.

يمكن القول أن التشابه في نموذجي الحرب ضد الدول بما فيها من مدنيين وأطفال ونساء يمثلا “عجز القوة”؛ فبرغم استخدام أفتك الأسلحة ضد المدنيين، إلا أن التاريخ يظهر أن المجازر غالباً ما تزيد من إصرار الشعوب على التحرر بدلاً من إخضاعها.

 

قد يعجبك ايضا