إغلاق الأقصى في رمضان.. حالة طوارئ أم إعادة هندسة للهوية الدينية في القدس؟
تحليل/عبدالكريم مطهر مفضل/وكالة الصحافة اليمنية
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، يتخذ إغلاق المسجد الأقصى منذ صباح السبت الماضي أبعاداً تتجاوز الإجراء الأمني المعلن.
فاستمرار إغلاق أبوابه لليوم الرابع على التوالي، ومنع حتى الموظفين والحراس من دخوله، يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة الخطوة وأهدافها الفعلية، خصوصاً أنها جاءت في ذروة شهر رمضان.
بين “الطوارئ” والتحول الاستراتيجي
سلطات الاحتلال الإسرائيلي بررت الإغلاق بحالة الطوارئ المرتبطة بالحرب الإقليمية. غير أن منظمات حقوقية فلسطينية، بينها «مركز غزة لحقوق الإنسان»، ترى في الإجراءات تصعيداً ممنهجاً يندرج ضمن سياسة أوسع لفرض وقائع جديدة في القدس والضفة الغربية، مستفيدة من انشغال المنطقة بالمواجهة العسكرية بين إيران وحزب الله من جهة والولايات المتحدة وكيان الاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى.
القيود لم تقتصر على الأقصى، بل شملت أيضاً إغلاق الحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل، وتشديد الحواجز العسكرية في مختلف مناطق الضفة الغربية، حيث تجاوز عددها 916 حاجزاً وبوابة، وفق المعطيات المعلنة، ما أدى إلى عزل تجمعات فلسطينية وعرقلة الحركة اليومية للسكان.
قراءة في السياق التاريخي
يرى الصحفي الفلسطيني محمد شاهين في حديثه لوكالة الصحافة اليمنية، أن ما يجري “ليس مجرد رد فعل على حدث خارجي، بل تعبير عن رؤية استراتيجية عميقة تسعى إلى تغيير هوية القدس الدينية. ويذكّر بسلسلة محطات مفصلية، من حريق الأقصى عام 1969، إلى الاقتحامات المتكررة ومحاولات التقسيم الزماني والمكاني، باعتبارها حلقات في مسار واحد”.
وبحسب شاهين، فإن اليمين الإسرائيلي المتطرف “لا يخفي رغبته في فرض سيادة يهودية كاملة على الحرم، مستغلاً الظرف الإقليمي لتمرير خطوات كانت تُعد سابقاً خطوطاً حمراء”.
ما ذكره الصحفي الفلسطيني “شاهين” يؤكد جدية التحذيرات الحقوقية من أن حالة الطوارئ تُستخدم كغطاء قانوني وسياسي لتوسيع السيطرة “الإسرائيلية” وتقليص الحضور الإسلامي في الموقع.
البعد القانوني والحقوقي
من زاوية القانون الدولي، يؤكد القاضي أنور الحبيشي رئيس الجبهة القانونية الحقوقية العليا في اليمن في حديثه لوكالة الصحافة اليمنية، أن إغلاق أماكن العبادة ومنع الوصول إليها يشكل انتهاكاً لحرية العبادة المكفولة بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، كما يتعارض مع التزامات قوة الاحتلال وفق اتفاقية جنيف الرابعة.
وفي السياق، ترى منظمات حقوق الإنسان أن تزامن الإجراءات مع شهر رمضان يمنحها بعداً رمزياً إضافياً، إذ لا يُنظر إليها فقط كخطوة أمنية، بل كرسالة سياسية ودينية تمس ملايين المسلمين الذين يعتبرون الأقصى ثالث الحرمين الشريفين وأولى القبلتين.
من الرمزي إلى الاستراتيجي
من الواضح للعيان أن إجراءات سلطات الاحتلال تتجاوز البعد الرمزي إلى الاستراتيجي.
فوفق قراءة شاهين، يسعى الاحتلال إلى “تطبيع الإغلاق كأداة إدارة دائمة للمكان، بما يمهد لاقتحامات أوسع مستقبلاً وترسيخ سيطرة أمنية مشددة”. ويشير إلى أن الدعم الغربي لكيان الاحتلال الإسرائيلي، تحت شعار “الحق في الدفاع عن النفس”، يوفر غطاءً سياسياً لهذه الإجراءات، في مقابل صمت رسمي عربي وإسلامي يحد من أي ضغط مضاد.
اختبار للواقع الإقليمي
في المحصلة، يتقاطع المشهد الميداني مع السياسي في لحظة إقليمية حساسة. فبينما تصف سلطات الاحتلال الإسرائيلي “الإجراءات بأنها ضرورية أمنياً”، ترى جهات حقوقية أنها جزء من إعادة تشكيل تدريجية للواقع في القدس المحتلة والضفة الغربية، مستندة إلى ميزان قوى إقليمي ودولي مختل.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يشكل إغلاق الأقصى والحرم الإبراهيمي الشريف محطة عابرة في سياق أمني مضطرب، أم خطوة إضافية في مسار طويل لإعادة تعريف السيادة والهوية في المدينة المقدسة؟ الإجابة، كما تشير المعطيات، ستتحدد بمدى قدرة الأطراف الفاعلة إقليمياً ودولياً على كبح تحويل مزاعم “الطوارئ” إلى واقع استعماري دائم.