شهدت الحرب الأخيرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة أخرى، تحوّلاً لافتاً في مسار المواجهة، تمثّل في عودة حزب الله بقوة إلى ساحة الصراع مع “إسرائيل” ليس فقط كطرف داعم، بل كلاعب رئيسي يمتلك أدوات التأثير الميداني والاستراتيجي في هذه المعركة المفصلية المهمة .
ومن خلال مشاركته إلى جانب إيران، أظهر الحزب قدرة متجددة على استهداف العمق “الإسرائيلي” باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، بالتوازي مع تصديه لمحاولات توغل جيش الاحتلال “الإسرائيلي” داخل الأراضي اللبنانية، ما يعكس استعادة واضحة لقدراته العسكرية وقوة ردعه.
ميدانياً، تكشف معطيات المواجهة في جنوب لبنان عن واقع أكثر تعقيداً بالنسبة لجيش الاحتلال الإسرائيلي ، فقد أقرّ بسقوط عشرة قتلى و260 إصابة في صفوفه منذ بداية الهجوم البري على لبنان وإلى اليوم، في مؤشر على صعوبة العمليات البرية وعجزها عن تحقيق أهداف حاسمة.
إضافة إلى ذلك وحسب معطيات المعركة البرية لم ينجح التوغل “الإسرائيلي” في فرض سيطرة كاملة، ليتحوّل مسار المعركة تدريجياً إلى حرب استنزاف مفتوحة.
وفي تطور نوعي، أقرّ الإعلام العبري بأن المقاومة اللبنانية كان قريبة من استهداف القيادة العسكرية الميدانية العاملة في القطاع الغربي من جنوب لبنان مطلع الأسبوع الماضي، وهو ما يعكس مستوى الاختراق الاستخباراتي والقدرة العملياتية التي بات يتمتع بها مقاتلو الحزب في الميدان .
كما برزت فعالية الحزب في استهداف تجمعات القوات “الإسرائيلية” المتوغلة داخل الأراضي اللبنانية، حيث تتركز غالبية عملياته النارية على هذه القوات وفق الاعلام العبري الذي حذر مؤخراً من خطر تحوّل الساحة اللبنانية إلى “فيتنام إسرائيل” .
وتشير تقارير ميدانية إلى أن القرى الحدودية في جنوب لبنان تحولت إلى نقاط استنزاف للقوات “الإسرائيلية” حيث تواجه محاولات التقدم مقاومة شرسة تعيق تثبيت أي سيطرة دائمة.
في موازاة ذلك، يشكّل استهداف حزب الله لمراكز القيادة والقواعد اللوجستية في شمال “إسرائيل” ضغطاً استراتيجياً متواصلاً، يحدّ من قدرة الجيش “الإسرائيلي” على إدارة المعركة بكفاءة، ويبقيه عالقاً في الخطوط الأمامية دون تحقيق اختراق فعلي .
سياسياً، تعكس مواقف القيادة “الإسرائيلية” تراجعاً ملحوظاً عن الأهداف المعلنة للحرب، والتي تمثلت في نزع سلاح حزب الله وتوجيه ضربة قاضية له ،وقد برز هذا التراجع في توجيهات رئيس الوزراء في كيان الاحتلال بنيامين نتنياهو بتوسيع المنطقة العازلة على الحدود اللبنانية ، في محاولة لتعديل الواقع الأمني بدلاً من تحقيق الحسم العسكري.
ويأتي ذلك في ظل إدراك متزايد داخل “إسرائيل” بأن أي اتفاق محتمل لوقف إطلاق النار مع إيران سيفرض بالضرورة تهدئة شاملة تشمل الجبهة اللبنانية، ما يدفع “تل أبيب” إلى تسريع محاولات فرض وقائع ميدانية، من بينها السعي لإقامة منطقة عازلة تمتد حتى نهر الليطاني، رغم التحديات الكبيرة التي تواجه هذا الهدف على الأرض.
في المقابل، تشير المؤشرات إلى اقتراب مسار الحرب من نهايته، خاصة مع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التي يلوّح فيها بإمكانية إنهاء الحرب حتى دون تحقيق أهدافها ، وفي حال التوصل إلى اتفاق مع إيران، فإن “إسرائيل” ستكون مضطرة للانخراط فيه، ما يعني عملياً وقف العمليات العسكرية في لبنان ، وهو ما تشترطه إيران .
ضمن هذا السياق، تبدو مخرجات الحرب مرشحة لإعادة تشكيل قواعد الاشتباك على الحدود اللبنانية – “الإسرائيلية” بما يحدّ من حرية الحركة “الإسرائيلية” داخل لبنان مستقبلاً ويوقف الإستباحة الإسرائيلية، ويكرّس توازناً عسكرياً جديداً.
داخلياً، من المتوقع أن ينعكس هذا التحول على المشهد السياسي اللبناني، حيث قد يؤدي تعزيز القوة العسكرية لحزب الله إلى توسيع نفوذه السياسي، في ظل تراجع فعالية الضغوط الخارجية الرامية إلى تحجيم دوره أو نزع سلاحه ، والمدعومة من “واشنطن “و”تل ابيب ” .