من حصار هرمز إلى تهديد باب المندب: هل تتجه المواجهة إلى حرب ممرات بحرية مفتوحة؟
تقرير| عبدالكريم مطهر مفضل| وكالة الصحافة اليمنية
مع دخول الحصار البحري الأميركي على إيران حيّز التنفيذ فعلياً، وفرض طهران رسوم مالية على السفن التي تعبر مضيق هرمز، تتصاعد المخاوف من انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر تعقيداً، تتجاوز حدود مضيق هرمز لتطال ممرات استراتيجية أخرى، وفي مقدمتها البحر الأحمر ومضيق باب المندب، في ظل تهديدات متبادلة بين محور المقاومة من جهة وبين الولايات المتحدة الأمريكية وكيان الاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى وسط استنفار إقليمي متسارع.
ففي الوقت الذي تلوح فيه المؤشرات السياسية بفشل المفاوضات الإيرانية الأمريكية في باكستان تلوّح معها مؤشرات ميدانية بإمكانية توسيع نطاق الاشتباك ليشمل أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ما قد ينقل الأزمة من ضغط موضعي على إيران إلى مواجهة متعددة الجبهات.
ثنائية التفاوض ومحور متعدد الجبهات
وفي السياق، قدّم الكاتب والمحلل السياسي اللبناني ميخائيل عوض في حديث مع وكالة الصحافة اليمنية قراءة مختصرة لطبيعة العلاقة بين الحرب والتفاوض، معتبراً أن المفاوضات لا تمثل خروجاً من الصراع، بل أداة من أدواته، تُستخدم بالتوازي مع القوة العسكرية لإدارة مراحله المختلفة.
وأوضح عوض أن مسار التفاوض في النزاعات المعقدة يبقى رهناً بتوازنات الميدان، حيث يشكل الأداء العسكري العامل الحاسم في تحديد سقوف التفاهمات ونتائجها، مستشهداً بنماذج تاريخية ومعاصرة تمتد من معركة قادش إلى الحرب في أوكرانيا، في إطار مقاربة تدمج بين القوة الصلبة والمرونة السياسية.
وأشار عوض إلى أن الهدن لا تعني نهاية الصراع، بل تمثل محطات انتقالية لإعادة التموضع، تُستثمر فيها الأطراف المتحاربة لتثبيت مكاسبها، أو اختبار مواقف الخصم، أو تقليل الكلفة دون التخلي عن الأهداف الاستراتيجية.
وأضاف أن فشل أي هدنة في إنتاج توازن مستقر يدفع الصراع غالباً نحو جولات تصعيد جديدة، قد تتخذ أشكالاً أكثر تعقيداً، سواء عبر تطوير الأدوات العسكرية، أو توسيع رقعة المواجهة، أو إدخال أطراف إضافية على خط الاشتباك.
وفي سياق متصل، حذّر عوض من أن أي محاولة لفرض حصار بحري على إيران عبر مضيق هرمز قد تستدعي ردوداً غير مباشرة من حلفائها في محور المقاومة، بما في ذلك القوات اليمنية، التي سبق أن أعلنت مراراً استعدادها للتدخل بشتى الطرق والوسائل في حال تعرضت أطراف المحور لتهديد وجودي، ما يفتح الباب أمام سيناريو توسيع نطاق المواجهة إلى ممرات بحرية أخرى، وفي مقدمتها البحر الأحمر ومضيق باب المندب، نظراً لأهميتهما الحيوية لحركة التجارة العالمية.
هذا الترابط الجيوسياسي يطرح سيناريو “توسيع الممرات المستهدفة”، بحيث لا يظل الضغط مقتصراً على الخليج، بل يمتد إلى البحر الأحمر، حيث يمر جزء كبير من التجارة العالمية، خاصة عبر مضيق باب المندب.
من الخليج إلى البحر الأحمر
الإجراءات الأميركية الجديدة، التي تستهدف خنق إيران بحرياً دون إغلاق كامل لمضيق هرمز، تُفسَّر في الأوساط الاستراتيجية كخطوة ضغط محسوبة، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام ردود غير تقليدية من أطراف حليفة لطهران.
ضمن هذا السياق، تبرز قوات صنعاء كأحد أبرز الفاعلين القادرين على نقل المواجهة إلى جغرافيا مختلفة، مستفيدة من موقعها المشرف على واحد من أهم الممرات البحرية العالمية.
يمثل مضيق باب المندب نقطة اختناق حيوية للتجارة الدولية، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والسلع بين آسيا وأوروبا. أي اضطراب في هذا الممر لا ينعكس فقط على دول المنطقة، بل يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي.
وتشير تقديرات ملاحية إلى أن تعطيل الملاحة – بشكل جزئي – قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في تكاليف الشحن والتأمين، ويدفع السفن إلى سلوك طرق بديلة أطول وأكثر كلفة.
قدرات صنعاء: حرب غير متكافئة بأدوات فعّالة
خلال السنوات الماضية، طورت قوات صنعاء قدرات بحرية “غير تقليدية”، شملت استخدام الزوارق المسيرة، والصواريخ المضادة للسفن، والألغام البحرية، وهو ما مكّنها من فرض معادلات ردع في البحر الأحمر.
هذه الأدوات، رغم محدودية تكلفتها، وتواضعها مقارنة بالقدرات الأمريكية والغربية، أثبتت قدرة عالية على إحداث تأثير كبير في بيئة بحرية معقدة، خصوصاً عندما تُستخدم ضمن استراتيجية “الاستنزاف والإنهاك والتدمير” بدلاً من المواجهة المباشرة. حيث يكفي تهديد الملاحة لرفع تكاليف التأمين وتعطيل سلاسل الإمداد.
وتشير سوابق المواجهة في البحر الأحمر إلى أن هذا النمط من العمليات قادر على فرض معادلات ردع فعالة، دون الحاجة إلى تفوق تقليدي شامل.
سيناريو الإغلاق: بين التهديد والتنفيذ
الحديث عن إغلاق مضيق باب المندب لا يعني بالضرورة السيطرة الكاملة عليه، بل قد يتحقق عبر: بل يكفي تهديد فعّال ومستمر في استهداف سفن محددة، وهنا يبرز سيناريو “الإغلاق الجزئي” عبر استهداف انتقائي للسفن المرتبطة بخصوم معينين، أو فرض قواعد عبور جديدة.
هذا الإغلاق يعني عملياً عن تعطّل خطوط التجارة بين آسيا وأوروبا، وارتفاع حاد في أسعار النفط والشحن، وتوسيع نطاق الاشتباك ليشمل قوى دولية متعددة.
العميد محمد الشريف مستشار وزارة الدفاع في صنعاء يقول في حديثه لوكالة الصحافة اليمنية: “إدخال باب المندب في معادلة الرد على حصار إيران سيحوّل الصراع من ضغط أحادي إلى شبكة جبهات مترابطة، إذ استطاعت القوات المسلحة اليمنية ضمن عمليات إسناد غزة من تهديد باب المندب والبحر الأحمر، وهزيمة أكبر القوى البحرية في العالم متمثلة في القوات البحرية الأمريكية والبريطانية تحت إسناد قوى بحرية من بعض الدول الحليفة لهما، مؤكداً أن رسالة صنعاء ستكون واضحة: أمن الطاقة العالمي قابل للتعطيل أكثر من السابق.”
بدوره يشير الدكتور عوض، إلى أن “دخول صنعاء على خط المواجهة سيحوّل المعركة من أزمة ثنائية بين واشنطن وطهران إلى صراع إقليمي متعدد الساحات، وهو ما قد تستخدمه المحور كورقة ضغط في حسم المفاوضات والحرب بشكل عام.
بين الردع والانفجار الكبير
المشهد الإقليمي الحالي يقف على حافة معادلة دقيقة: حصار بحري في الخليج يقابله تهديد محتمل في البحر الأحمر، ما يعكس توازناً هشاً بين الرغبة في الردع وتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة. فبينما تسعى واشنطن إلى تضييق الخناق على إيران، تلوّح محور المقاومة بخيارات قد تعيد رسم خريطة الاشتباك البحري في المنطقة.
في ظل هذا التعقيد، لا يبدو أن المعركة ستبقى محصورة في مضيق هرمز، بل قد تمتد – إذا ما تحققت السيناريوهات التصعيدية – إلى باب المندب، لتتحول إلى مواجهة مفتوحة على “حرب الممرات البحرية”، حيث لا توجد جبهة بعيدة عن النار.
وهنا يبقى السؤال الأهم: هل تتحول التهديدات إلى خطوات ميدانية في باب المندب، أم تظل ضمن حسابات الضغط السياسي المتبادل؟
الإجابة، كما يرى الدكتور ميخائيل عوض، ستتوقف على مسار النجاح في عقد المفاوضات، وعلى قدرة الوسطاء في منع انتقال الشرارة من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر.