تتزايد المؤشرات على أن الحصار الذي فرضته صنعاء على السعودية بدأ يضغط بصورة مباشرة على شريان النفط السعودي، مع انتقال تداعياته من تعطيل حركة الناقلات في البحر الأحمر إلى التأثير في منشآت الإنتاج والمعالجة وخطوط الإمداد، بما يفتح الباب أمام سيناريو أكثر خطورة يتمثل في اقتراب توقف صادرات النفط السعودية، إذا استمر التصعيد بالوتيرة الحالية.
وتكشف المعطيات المتتالية أن قطاع النفط السعودي بات يواجه ضغوطًا متزامنة على أكثر من مستوى؛ فمن جهة، تمنع قوات صنعاء ناقلات النفط السعودية من عبور مضيق باب المندب، ومن جهة أخرى، تتعرض منشآت حيوية داخل المملكة للاستهداف، في وقت ترتفع فيه كلفة نقل النفط إلى الأسواق الآسيوية، ما يجعل استمرار التصدير أكثر تعقيدًا وكلفة.
وفي هذا السياق، قدرت شركة “ويندوارد” للبيانات البحرية خسائر السعودية الناجمة عن إغلاق مضيقي هرمز وباب المندب بنحو 504 ملايين دولار، أي ما يعادل 90% من عائدات النفط السعودية، فيما أفادت وكالة “بلومبرغ” بأن النفط السعودي بات يسلك طريقًا أطول عبر قناة السويس للوصول إلى الأسواق الآسيوية، في مؤشر على أن تداعيات الحصار بدأت تنعكس مباشرة على مسار صادرات المملكة.
وتؤكد بيانات مركز الأقمار الصناعية “كيبلر” هذا التحول في حركة الناقلات، إذ أظهرت أن ناقلات النفط السعودية تختار قناة السويس بدلًا من مضيق باب المندب هربًا من الهجمات اليمنية، وهو ما يعني اضطرارها إلى سلوك طرق أطول وأكثر كلفة، مع ما يرافق ذلك من أعباء إضافية في النقل والتشغيل والتأمين.
ونقلت “بلومبرغ” عن بيانات منصة “كيبلر” أن ناقلة النفط الخام العملاقة “أولمبيك لاك”، المتجهة إلى آسيا والمحملة بالنفط السعودي، غادرت البحر الأحمر مساء الأحد عبر طريق قناة السويس الأطول .. في حيت تؤكد مصادر عسكرية في صنعاء أن السفن السعودية لم تعبر مضيق باب المندب منذ الأسبوع المنصرم، بما يعزز مؤشرات تعطل هذا المسار أمام الصادرات النفطية السعودية.
ويبدو أن الضغط على صادرات النفط السعودية لم يعد مقتصرًا على طرق الملاحة، بل امتد إلى قلب البنية التحتية النفطية في المملكة، مع استهداف قوات صنعاء لخطوط إمداد النفط السعودية الممتدة من شرق البلاد إلى ميناء ينبع، وهو ما أكدته قوات صنعاء اليوم في بيان عسكري أعلنت فيه تنفيذ عملية استهداف لهذه الخطوط ، لتُعلن بعد ذلك شركة “أرامكو” تعليق العمليات في مصفاة بقيق، بالتزامن مع استمرار الحرائق فيها، وفق ما أظهرته صور الأقمار الصناعية، التي كشفت عن أضرار واسعة داخل المجمع النفطي، مع تضرر أربع وحدات من أصل ست وحدات رئيسية لمعالجة النفط الخام، فيما بدت وحدتان خارج الخدمة بالكامل، بينما غطت رغوة إخماد الحرائق أجزاء من إحدى الوحدات المتضررة، في مؤشرات على حجم الأضرار التشغيلية التي لحقت بالمنشأة.
وتكتسب مصفاة بقيق أهمية استراتيجية في منظومة الطاقة السعودية، كونها تعالج النفط الخام القادم من حقل الغوار العملاق، قبل نقله إلى محطات التصدير غربًا وشرقًا، ما يجعل تعليق عملياتها عاملًا إضافيًا يضغط على قدرة السعودية على مواصلة تدفق نفطها نحو الأسواق الخارجية.
وتضاف هذه الأضرار إلى ما لحق بمنشآت نفطية تابعة لشركة “أرامكو” في جيزان وينبع، والتي كانت قوات صنعاء قد استهدفتها قبل يومين، لتتسع بذلك دائرة الضغط على قطاع النفط السعودي، من طرق الملاحة ومسارات الناقلات، إلى خطوط الإمداد والمنشآت الحيوية المرتبطة بمعالجة النفط ونقله نحو موانئ التصدير.
ومع اجتماع هذه العوامل في وقت واحد، تبدو صادرات النفط السعودية أمام سلسلة من الاختناقات المتتالية؛ فالمسار البحري الأقصر عبر باب المندب مغلقاً، والناقلات تضطر إلى تغيير طرقها نحو مسارات أطول وأكثر كلفة، فيما تتعرض منشآت المعالجة وخطوط الإمداد لأضرار تؤثر في البنية التي يعتمد عليها تدفق النفط من مناطق الإنتاج إلى موانئ التصدير.
وعليه، فإن المؤشرات المتراكمة لا تشير فقط إلى ارتفاع كلفة تصدير النفط السعودي، بل إلى احتمال تعطل الصادرات بصورة أوسع إذا استمر استهداف حلقات سلسلة الطاقة بالتزامن مع استمرار الحصار الملاحي، فكلما طال أمد التصعيد، ازدادت الضغوط على قدرة السعودية في الحفاظ على دورة النفط كاملة، من الإنتاج والمعالجة، مرورًا بالنقل والإمداد، وصولًا إلى التصدير.
وبهذه المعادلة، تبدو السعودية أمام اختبار متصاعد؛ إذ إن استمرار الحصار اليمني، بالتوازي مع الضغوط التي تطال منشآت النفط وخطوط الإمداد، قد يقود تدريجيًا إلى نقطة يصبح معها تصدير النفط السعودي مهددًا بالتوقف، لا نتيجة عامل واحد، وإنما بفعل تراكم الضغوط على مختلف حلقات منظومة الطاقة.