لم تكن رؤية 2030 السعودية مشروعاً اقتصادياً محدوداً، بل رهاناً استراتيجياً واسعاً تراهن عليه الرياض لإعادة تشكيل اقتصاد المملكة ومكانتها، عبر استقطاب الاستثمارات الأجنبية، وتنفيذ مشاريع عملاقة، وتنويع مصادر الدخل بعيداً عن الاعتماد على النفط ، غير أن هذا الرهان يقوم على معادلة أساسية لا يمكن فصل عناصرها: الأمن والاستقرار، واستمرار تدفق الإيرادات النفطية، وتوفير بيئة آمنة لرؤوس الأموال والمشاريع الكبرى.
هذه المعادلة تواجه اليوم اختباراً صعباً مع عودة التصعيد اليمني، وعودة منشآت الطاقة والبنية التحتية والمسارات الحيوية السعودية إلى دائرة التهديد، فالضربات اليمنية لا تمثل بالنسبة إلى الرياض تحدياً عسكرياً وأمنياً فحسب، بل قد تمتد تداعياتها إلى صميم المشروع الاقتصادي السعودي، خصوصاً إذا استمر استهداف المنشآت الحيوية ومنشئات إنتاج النفط أو نقله أو تصديره.
وتكمن خطورة هذا السيناريو في أن النفط لا يزال يشكل ركيزة أساسية لإيرادات الدولة، فيما تحتاج السعودية إلى تدفقات مالية ضخمة لتمويل مشاريع رؤية 2030 ، وأي اضطراب في صادرات النفط قد يضع المالية السعودية أمام ضغوط قاسية، مع ارتفاع كلفة حماية المنشآت وتأمينها، الأمر الذي قد يفرض على الرياض إعادة ترتيب الإنفاق، وتقليص وتيرة بعض المشاريع أو تأجيلها، بينما يؤدي استمرار المخاطر الأمنية إلى التأثير في ثقة المستثمرين ورفع كلفة الاستثمار والتأمين .
وفي هذا السياق، قالت مجلة “نيوزويك” الأمريكية إن السعودية تواجه تحديات أمنية غير مسبوقة بالتزامن مع سعيها إلى حماية مشروعها الاقتصادي المرتبط بـرؤية 2030، مشيرة إلى أن التوترات الإقليمية والتهديدات المرتبطة باليمن تفرض ضغوطاً على المصالح السعودية ومسارات تصدير الطاقة.
ونقلت المجلة عن العميد السعودي المتقاعد عبد الله بن فرح الشايع أن الحرب في اليمن أظهرت حدود القوة العسكرية أمام قوات صنعاء التي تعتمد على الطائرات المسيّرة والصواريخ، فيما نقلت عن دانا سترول، نائبة مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابقة لشؤون الشرق الأوسط، أن السعودية أدركت أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لمواجهة قوات صنعاء، محذرة من أن العودة إلى حرب واسعة ستكون مدمرة للمملكة ولمشاريعها الاقتصادية.
بدورها، قالت صحيفة “لا كروا” الفرنسية إن السعودية تجد نفسها في موقع حرج مع تصاعد التوترات الإقليمية، وإن الهجمات التي تطال منشآتها النفطية تضعها أمام معادلة صعبة بين محاولة الردع وتجنب الانزلاق إلى حرب واسعة تهدد استقرارها، وأشارت الصحيفة إلى أن هذه المخاطر تثير تساؤلات حول مستقبل رؤية 2030 التي تعتمد على جذب الاستثمارات وتنويع الاقتصاد .
وهنا تكمن المفارقة: السعودية تحتاج إلى النفط لتمويل التحول الاقتصادي الذي يفترض أن يقلل اعتمادها عليه، وتحتاج في الوقت نفسه إلى الأمن لجذب الاستثمارات وحماية مشاريعها وإذا أصاب التصعيد أحد طرفي هذه المعادلة، فإن تداعياته ستصل إلى الطرف الآخر ،ومن هنا، لا تبدو الضربات اليمنية مجرد تهديد أمني عابر، بل خطراً مباشراً على رؤية 2030″ نفسها. فاستمرار استهداف منشآت الطاقة وتهديد صادرات النفط قد يضرب الركائز التي يقوم عليها المشروع، ومع اتساع التصعيد قد تجد الرياض نفسها أمام واقع تتراجع فيه الإيرادات، وترتفع كلفة الحماية، وتزداد المخاطر الاستثمارية، بما قد يجعل الاستمرار في تمويل المشاريع العملاقة أكثر صعوبة.
وفي حال تحول تهديد صادرات النفط إلى تعطيل طويل الأمد، فقد تواجه السعودية أزمة اقتصادية عميقة تنعكس على قدرتها على تمويل مشاريعها، وقد تجد نفسها مضطرة إلى تعليق رؤية 2030 أو وقف المشروع، لتنتهي بذلك طموحات الرياض الاقتصادية تحت وطأة تداعيات التصعيد اليمني.